جسد ضيق لا يسع لتاريخ عريض من الألم

ظلت مصر على مدار تاريخها قوية بوحدة نسيجها؛ المسلمين والمسيحيين، ووقائع التاريخ شاهدة على مظاهر هذه الوحدة التي تجلَّت أروع صورها في الاصطفاف لمحاربة ومقاومة الاستعمار على كافة أشكاله، لكن لعوامل كثيرة انفرط عقد المحبة، وحلّ محله الخصام والشقاق، والاحتقان، منها تخلي بعض المسيحين عن معتنقهم وهروبهم من أجل الزواج بآخرين مسلمين، وهو ما جعل الصدام بين الطرفين على حدّ السكين.
السبت 2016/09/24
أسرار العلاقات بين المسلمين والمسيحيين

تتخذ رواية «جسد ضيق» للكاتبة هويدا صالح من إشكالية العلاقة الشائكة بين المسلمين والمسيحيين موضوعا لروايتها الجديدة، دون أن تغض الطرف عن حالة الشقاق والصدام بين الطرفين، بل تقوم الكاتبة بتعرية وتشريح الجميع بلا استثناء، وإن كانت في البعض من مواقفها على لسان شخصياتها انحازت إلى طرف دون الآخر.

خيوط الرواية الرئيسية، الصادرة مؤخرا عن دار الراية للنشر والتوزيع 2016، تكاد تتقاطع مع أشهر الحوادث التي أرَّقت المجتمع المصري ممثَّلة في حادثتي وفاء قسطنطين زوجة راعي كنيسة أبي المطامير بالبحيرة، وكاميليا شحاتة زوجة كاهن ديرمواس بالمنيا في جنوب مصر، وإن كانت لا تتطابق حكايتها مع هذه الحوادث إلا في جزئية الارتداد عن الدين فقط، ثمّ تترك للمخيلة الروائية العنان لتصوغ باقي الحكاية، لتخلق لنفسها تفاصيل عن عالم شائك، وواقع قاس، وذكورية مقيتة تحتكر لنفسها كل شيء، وهو ما يُحسب للراوية باقتحامها لعالم شعاره المسكوت عنه.

زاوج السرد بين الغنائية والوثائقية ومالت اللغة في الكثير من الوحدات السردية إلى التماهي مع لغة الكتاب المقدس

الحلم والمنتهى

يبدأ السّرد بفردوس وينتهي بها أيضا، دون أن يجعل من الحكاية دائرية، فزمن البداية مفارق لزمن النهاية، فيبدأ بها طفلة في الوحدة الأولى “عرائس المحبّة القطنية”، التي تهرب بها من واقعها إلى عالمها الخاص الذي تخلقه وتحاور فيه شخصياتها المختلفة التي صنعتها، ومن هذه اللحظة تصبح فكرة الهروب هاجس البطلة، عبر الأحلام حتى تنتهي واقعا بعد منتصف الرواية، بعدما يُعلن الحبّ المُضمر بينها وبين محمود المُسْلم، وما تعرضت له من إكراهات من قبل الكنيسة ورجالها وصلت إلى حدّ الضرب من أمها، وهو ما انتهى بها إلى زواج سيقضي على ما تبقى منها، بعد امتهان الزوج لجسدها، وانصرافه عنها إلى إشباع ملذاته مع أخيه، كما ستُشاهد بعينيها، إلى أن ينتهي السّرد، في نهاية الرواية، بفردوس أخرى منكسرة، وهي تعود من ذات الطريق التي سلكتها إلى الدير هروبا من واقع أليم دفعت ثمنه.

ولا تتشكَّل الحكاية السردية المكوّنة من ثلاثين وحدة سردية والتي تأتي عبر عناوين تتراوح بين أسماء شخصيات العمل (السّت سارة، الخواجة حَنَّا، فردوس، سلوى، ماريا / فيبي) أو مكونّا فضائيّا تُلخص لمحتوى الفصل أو استعارات دينيّة من الكتاب المقدس، إلا في الوحدات السردية المتأخّرة، حيث الفصول الأولى تستغرق فيها المؤلفة بسرد حكايات عن علاقات الإخوة والمحبّة بين المسلمين والمسيحيين، وهي فصول موزَّعة بالتبادل بين العائلتين.

جوهر الحكاية فردوس وما عانته من علاقاتها بمُسلم تخلّى عنها في سلبية نادرة، امتثالا لأعراف العائلة وارتباطاتها السياسية والاجتماعية، فتركها تواجه مصيرها بمفردها، رغم أنها لم تتخلَ عن أحلامها معه، سواء بعد زواجها أو وهي في الدير، حيث أعادت الراهبة العجوز فيبي علاقتها بمحمود، فراحت تستثمرها في حكايات مِن صُنع خيالها، وفاء لهذا الحبيب الذي خذلها، وهو ما كان موضع تعجّب، لكن مع هذه الحكاية استطاعت الكاتبة أن تمرّر حكايات كثيرة، كشفت في البعض منها عن هيمنة الثقافة التحتية التي مازالت مسيطرة في الكثير من مناطق الصعيد والأرياف، وحارات المدن الكبرى بلا استثناء.

رواية تفتح في مصر الصندوق الأسود للعالم المسكوت عنه

لا تغفل الكاتبة الصراعات الصغيرة التي هي بدايات الاحتقان بين المسلمين والمسيحيين، ممثلة في النداءات العنصرية لابنة صبحي ودميانه، بأنها «البنت النصرانية بنت العايقة»، أو تلك التي واجهتها فردوس عند التحاقها بالجامعة، من عنصرية مقيتة وإقصاء بغيض من قبل زميلاتها المسلمات في المدينة الجامعية، وترديد أقوال عن حال المسيحيين وطعامهم الذي يوصف بالزنخ، كما كشفت الرواية في أحد محاورها المهمة عن المسكوت عنه في هذه العلاقة المحرّمة في نظر الكنيسة، وتعاملها مع صاحبتها كأنها مرتكبة خطية يجب الغفران منها، ثم علاقات المسيحيين الشاذة، كما في صورة أولاد برسوم نخلة، أو القمع داخل البيت كما في صورة الأم فيبي. كما تتطرّق الرِّواية عبر أزمات شخصياتها إلى الذكورية في بيئة الصعيد وكيف تمارس في داخل البيوت، أو في مجتمع الكنيسة أيضا.

تاريخ الرهبنة

زاوج السّرد بين الغنائية والوثائقية، فقد غلبت الغنائية على الفصول المسرودة بالأنا العائدة على فردوس حيث تجتر مأساتها، وتشاطرها الروي بالأنا كذلك سلوى وماريا صديقتا الطفولة والمدرسة، حيث غلبت حالة من الشجن والحزن على هذه الفصول، وهو ما أتاحه السرد بالأنا الذي أعطى حميمية والتصاقا بالذات في سردها عن أناتها، دون أن تنفصل عنها، وإن كان السرد قد مال في الثلث الأخير من الرواية لأن يكون سردا توثيقا/ معرفيا، حيث غلبت المادة التاريخية والمعرفية عن تاريخ الرهبنة الذي بدأ على أرض كيميت التي اخترعت الأديان، ومؤسسها أنطونيوس الكبير، والأبناء باخوميوس أب الشراكة، ووضعهما قواعد الرهبنة النسائية التي انتشرت في النصف الثاني من القرن الرابع، وقد وصل عدد الراهبات من النساء في القرن الثالث عشر إلى عشرين ألف راهبة في الصعيد وحدهن وما تبع هذا من محاولات التمرد على الكنيسة. وكذلك ثمة سرد وثائقي عن البتولية وكيف أنها شركة عميقة مع الله، وعن هيكلية وتراتبية أديرة الراهبات مقارنة بأديرة الرجال، وهو ما يبرز ذكورية الرهبان وإقصائهم للراهبات.

مالت اللغة في الكثير من الوحدات السّردية إلى التماهي مع لغة الكتاب المقدس، وهي تُعبر عن هاجس الأحلام، ودورها في تغيير مصائر الشخصيات بدءا من الجدِّ صبحي الذي سَارَ خلف هاجسه إلى أنْ اهتدى إلى هذه القرية ليستوطنها، وبالمثل سارة التي انقادت خلف قلبها حتى التقت يوسف الحكيم، إلى فردوس ذاتها التي كان طيف المسيح والقديسة مارينا وماري جرجس يُخايلها كل مساء. وإن كانت ثمة مزاوجة بين العامية التي كانت هي لغة الحوار، والفصحى لغة السرد، وهو ما أكسب النص زخما، حيث اللغة في مجملها متقشفة إلى حدّ الزهد في التشبيهات والاستعارات، إلا أنّها كانت أكثر دلالة عن واقع ومأسي الشخصيات. كانت عودة فردوس إلى الحياة مرَّة ثانية من الدير، بمثابة الإقرار بالرغبة في الحياة، مع قسوتها، وهي الفكرة ذاتها التي كانت تُلحُّ على الرَّاهبة العجوز التي اختارت الدير وعاشتْ فيه منذ أن كانت في الحادية والعشرين من عمرها إلى وفاتها.

ثمة ملاحظات على البناء السردي، فالوحدات السردية بحاجة إلى إعادة توزيع ليتحقّق الانسجام مع الحكاية كبناء متكامل، وأيضا ثمة تغيرات مفاجئة في وظائف الشخصيات لم نلمح أي مقدمات لها، حيث أشارت الكاتبة إلى أن ماريا مدرسة ثم بعد ذلك ذكرت أنها تعمل في شركة التقت فيها بإيهاب المنجي الذي كانت ستكرّر معه قصة فردوس ومحمود، كما سردت عن مشهد رؤية فردوس لزوجها مع أخيه في السرير، بضمير الغائب، في حين أن السرد دائما على لسان فردوس بالأنا، وهو ما أحال المشهد إلى التغريب.

17