"جسم غريب".. دراما متشعبة للبحث عن حقيقة الفضائيين

فيلم يخوض في ما قبل وصول الأجسام الفضائية إلى الأرض ويحفل بزج مفرط للفرضيات الفلكية والعلمية.
الاثنين 2018/09/10
لا شيء أكيدا

تشكل الكائنات والأجسام الفضائية أحد المعطيات المفضلة في سينما الخيال العلمي، فالمجهولون الذين يعيش بعضهم بيننا من دون أن نتحسّس وجودهم، كما أولئك الذين يفدون إلى عالمنا من كواكب ومجرات مجهولة يجتمعون في معالجات درامية تقرأ المستقبل من جهة وتدفع باتجاه البحث عن حقيقة تلك الكائنات، أما واقعيا فتدفع هذه الثيمة باتجاه جدل حول مدى صدقية وجود كائنات مجهولة أو أن الأمر لا يتعدى افتراضات وخيالات

حفلت سينما الخيال العلمي بالعديد من التجارب التي قدّمت الفضائيين المجهولين أبطالا على الشاشات أو موضوع صراع لا ينتهي، ونذكر هنا أفلام “الكوكب الممنوع” (إنتاج 1956)، و”أوديسا الفضاء” (1969)، و”كوكب مدهش” (1973)، و”حرب النجوم” (1980)، و”ديون” (1984)، و”فضائيون” (1986)، و”المدينة المعتمة” (1995)، و”يوم الاستقلال” (1996)، و”العامل الخامس” (1997)، و”حرب العوالم” (2005)، وسلسلات “حراس المجرة” و”ستارتريك” وأفلام أخرى.

وفي فيلم “جسم غريب” للمخرج رايان إيلسينغر تكون الثيمة نفسها محورا للأحداث من خلال الغوص في استجلاء حقيقة ذلك الوجود الافتراضي، أو الحقيقي للأجسام والشخصيات القادمة من الفضاء.

وإذا كنا في أفلام من هذا النوع بصدد التعامل مع أجسام وشخصيات دخلت الكوكب الأرضي، وما يتبع ذلك من أحداث درامية قد تصل إلى مستوى الصراع معها، فإننا في هذا الفيلم بصدد الخوض في ما قبل وصول أولئك الفضائيين أو الأجسام الفضائية إلى الأرض. وتبنى أحداث الفيلم استنادا إلى خبر مرور جسم فضائي غريب في أجواء عدة مطارات أميركية، ووجود شهود عيان أكدوا شيئا من ذلك، ووقوع انقطاعات وتشويش في الإشارات اللاسلكية إبان عبور تلك الأجسام المجهولة.

هذا الأمر سوف يدفع ديريك (الممثل أليكس شارب)، وهو طالب جامعي موهوب إلى التحري عن الظاهرة بشكل جدي مستخدما القوانين الرياضية واللوغاريتمات للوصول إلى الحقيقة.

وخلال ذلك لن يجد معه في ذلك التحري سوى أستاذته عالمة الرياضيات الدكتورة هيندريكس (الممثلة جيليان أندرسون)، وهي بشخصيتها المتشددة تجد نفسها مدفوعة للمغامرة والأخذ بالفرضيات الرقمية التي جاء بها ديريك.

ويمضي الفيلم وفق هذا المسار السردي القائم على تتابع يومي لمحاولات ديريك وصديق وصديقة له يؤمنان بما يبحث فيه، فيما هنالك خط سردي مقابل يتمحور حول شخصية المحقق فرانكلين (الممثل ديفيد ستراثارين) من جهاز الأمن الفيدرالي.

وبسبب طبيعة الأحداث التي تنحو منحى علميا بحتا في التحري الرياضي والهندسي عن طبيعة الفضائيين العابرين للحدود الفيزيائية للأرض، يتم ضخ حوارات تعج بالمعلومات الرياضية، فلا يكاد يجري على ألسنة الشخصيات سوى المعادلات والأرقام والفرضيات الرياضية.

ديريك والمتحري فرانكلين وما بينهما ثلة من علماء الفلك والرياضيات سوف يجدون أنفسهم في دائرة لا بداية ولا نهاية لها في البحث عن الحقيقة، لكن خلال ذلك يصبح بحث ديريك عن تلك الحقيقة نوعا من الخرق للأمن القومي، ممّا يدفع إلى تتبعه بوصفه هدفا.

 ولعل ديريك بوصفه الشخصية الدرامية الرئيسة، يقدم أداءً مميزا في مكابدة إقناع الآخرين بفرضياته، إذ حفلت المشاهد الفيلمية بسعيه المستمر للوصول إلى الحقيقة مدفوعا بذكرى سابقة من سنوات الطفولة، حيث رأى كائنا فضائيا ولم تصدقه أمه حينها.

وفي إطار المعالجة الدرامية كان هنالك إسراف ملفت للنظر في جعل فكرة الفرضيات الرياضية محورا أساسيا وعدم تطوير الأحداث بزج حبكات ثانوية تعزّز ذلك التمهيد الدرامي.

الأجواء الجامعية كانت هي الإطار المكاني الأكثر استخداما في مشاهد الفيلم ابتداءً من القاعات الدراسية والممرات والحدائق، وخلال ذلك تم توظيف التصوير والمونتاج لتتبع ما سيتوصل إليه ديريك.

وفي المقابل كانت الحبكة الثانوية الأكثر أهمية هي دخول الدكتورة هيندريكس طرفا في المغامرة، يزورها في منزلها ويجعلها تخرج من غرفة نومها لكي تستمع لفرضيته، وتاليا تتفاعل معه فيها، لكن شخصيتها المتشددة لن تتيح له أكثر من ذلك الهامش الذي يدفعه قدما للتوغل في الحقيقة.

وخلال ذلك يتم الزج بفرضيات تتعلق بالفلك والرياضيات تفند فرضية ديريك حينا وتعزّزها حينا آخر، ما يجعله يدور في دوامة لا نهاية لها باتجاه الوصول إلى الحقيقة.

الشخصيات الثانوية من جانبها عزّزت البناء الدرامي، ولعل الأبرز هما صديقة ديريك وصديقه اللذان شاركاه تلك الفرضيات، وحاولا أن يتوصلا معه إلى نتيجة ملموسة، ولكن من دون جدوى ما دفع ديريك لأن يكون الباحث الوحيد عن الحقيقة الغائبة.

وفي المقابل يقع التحوّل الدرامي ساعة تطويق ديريك والقبض عليه ليكون وجها لوجه مع المسؤول الأمني الفيدرالي فرانكلين، الذي وصل بدوره إلى طريق مسدود من أجل الوصول إلى حقيقة الفرضية التي يبحث عنها ديريك.

لا شك أن سيناريو الفيلم كان في حاجة إلى تحوّلات درامية منطقية أكثر حدة وإضافات ملموسة في البناء السردي تنتشل الأحداث من مجرد الجدل الكلامي والفرضيات الرياضية، وتحول دون تلك المسارات المتشعبة للوصول إلى حقيقة الفضائيين أو حقيقة الأجسام الفضائية.

16