جعجع باعتباره رسولا للخواء اللبناني

الجمعة 2014/05/02

ليست المشكلة في سمير جعجع حين يرشـح نفسه رئيساً للبنان. للرجل طموحاته وتطلعاته وأهدافه ومشاريعه وخططه التي قاتل من أجلها في ظل خيمة كبيرة كانت تجمعه بسواه من أمراء الحرب يوم كانت الحرب الأهلية قائمة. من حقه أن يقول إنه قاتل دفاعاً عن المبادئ التي يؤمن بها.

وهو قول لا يمكنه أن يثبت أمام هول جريمة اسمها الحرب الأهلية، كان الرجل واحدا من عباقرتها. ومن حقه أيضا أن ينظر بعين الحسد إلى رفاقه في تلك الجريمة ممن لم يلاحقهم القانون الذي وقف أمامه باعتباره المجرم الوحيد. وهي نظرة لا تخلو من الحقد والرغبة في الانتقام.

وقد يكون الرجل قد حقق جزءا من رغبته الدفينة تلك، حين استدار بالمشهد السياسي اللبناني إلى الموقع الذي يحاول السياسيون اللبنانيون تفادي المرور به: الحرب الأهلية، باعتبارها معلما تاريخيا لا يزال يهيمن من خلال استحقاقاته على الحاضر. وهنا بالضبط تقع المشكلة.

فالقانون اللبناني كما يبدو لا يمنع شخصا أُدين بجرائم قتل، جرى تنفيذها لأهداف وغايات سياسية من أن يكون رئيسا. كما أن الصراعات السياسية بين مختلف الأطراف تسمح هي الأخرى لطـرف أن ينكّلَ بالطرف الآخر عن طريق تبني ترشيح ذلك الشخص لمنصب رئيس الجمهورية. لن يكون الوطن ولا المواطن موجودين في الصورة التي انتهى إليها مجلس النواب اللبناني وهو يسعى إلى التصويت على رئاسة جعجع.

هناك رهان فاسد على مَن يحرج الآخر أمام حق مسيحيي لبنان، الموارنة منهم بالذات، في أن يرشحوا من يشاؤون لشغل منصب، صار نوعا من هبة التاريخ لهم. وقد يكون مستغربا أن يتخلى الموارنة عن تلك الهبة لرجل من نوع جعجع.

فهل يمكننا الحديث عن خواء سياسي ضرب بعصفـه الطائفـة التي كـانت إلى وقت قريب أكثـر طوائـف لبنـان تمسكا بالتعليم والرقـي الحضـاري وفكـرة لبنـان الـذي اختـرع الحرف، بحيث لم يعـد لديهـا مـا تقدمـه إلى منصب رئاسة البلد الذي تعبـده غير رجل جرّمته العدالـة اللبنانيـة ولـم يغـادر سجنـه إلا بقـرار ثأري، اتخذ على خلفية خروج القـوات السوريـة من لبنان؟

تبدو الطائفة المارونية قد انتزعت من واقعها الحقيقي لتكون رهينة تجاذبات سياسية، لن تنفعها في شيء، بقدر ما ستحط من قدرها. فما لا يمكن تصديقه أن موارنة لبنان قد ارتضوا لأنفسهم أن يتم اختزالهم في هيئة الرجل الذي انتقل من حربه ضد الغرباء (الفلسطينيين) إلى حرب مفتوحة ضد إخوته، كان المسيحيون أول ضحاياها.

جعجع الذي يرغب اليوم في أن يكون رئيساً للبنان هو في حد ذاته مشروع حرب أهلية، لا يمكن التنبؤ بسعة جغرافيتها، ولا أحد في إمكانه أن يميز فيها الصديق من العدو.

فالرجل الذي عـرف بانحيازه إلى الحرب باعتبارها هـدفاً في حد ذاته، لا يملك رصيدا من الأصدقـاء التاريخيين أو الأعداء التاريخيين، بمـا يكفي للإشارة إلى مبادئه التي يزعم أنهـا كانت دائمـا ثابتة. مزاجه “الميليشياوي” يمكنه أن يعكر صفـة “الحكيم” التي يعتمدها أتباعه في وصفه.

ولكن الفضيحة تكمن في أن هناك نواباً لبنانيين لا ينظرون إلى جعجع إلا باعتباره حصان رهانهم الذي سيقلقون من خلاله هدأة زملائهم وهم يعرفون أن جعجع هو الخطأ في الحساب، هو الصفر الذي يقع فارغاً. جعجع اليوم هـو فضيحة اللبنانيين، كلهـم من دون استثناء.

هناك خواء ثقافي يسنده صمت أخلاقي صار يسمح بألعاب سياسية، لا تمت إلى الشعور بالمسؤولية بصلة. لقد هان قدر اللبنـانيين فصـاروا ينتقلـون بخفـة بين مـوقـع الضحية وموقـع الرهينة، كمـا لو أنهم يحنون إلى الزمن الذي كانوا فيه مجرد بضائع جاهزة للخطف. لن يخطف جعجع كرسي الرئاسة، غير أنه استطاع وبجرأة أن يكشف للبنانيين خواء حياتهم السياسية.


كاتب عراقي

8