جعجع يفجر لغم التكاذب الإلهي بين حزب الله وعون

السبت 2016/01/16

فجر رئيس المكتب التنفيذي للقوات اللبنانية، سمير جعجع، قنبلة سياسية في وجه الجميع عبر إعلانه عن رغبته بترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية. صارت اللعبة حاليا في ملعب حزب الله الذي أعلن مرارا وتكرارا أن الجنرال عون هو مرشحه الرئيسي والوحيد، فبات الآن مُلزما أخلاقيا وسياسيا بالتوقف عن تعطيل انتخاب الرئيس، والنزول إلى المجلس النيابي لمحاولة إيصال عون بعد أن أصبح مع ترشيح جعجع له، المرشح المسيحي الأبرز.

يرسي جعجع عبر هذا الترشيح المحتمل معادلات جديدة مربكة، من شأنها إعادة تركيب الطبخة الرئاسية في لبنان على أسس جديدة لا تصب في صالح حزب الله، بل وعلى العكس من ذلك تماما، يمكن اعتبارها ضربة ذكية ومدروسة ومنهجية لحزب الله.

جعجع لم يربط ترشيحه للجنرال عون بالانسحاب من فريق 14 آذار وتشكيل حلف مسيحي مستقل. هكذا يكون هذا الطرح رغم رفض تيار المستقبل له آتيا من قلب قوى 14 آذار. هذا يعني أن ترشيح القوات للجنرال عون لا يزال خاضعا للعناوين السيادية الكبرى التي ينادي بها هذا الفريق ككل، وتلك التي يؤكد عليها جعجع ولا يزال في كل ما يصدر عنه من مواقف.

الفرق شاسع بين أن يُطرح الترشيح القواتي للجنرال من داخل فريق 14 آذار أو من خارجه. الحالة الأولى تفترض أن يفي الجنرال بسلسلة من المتطلبات السيادية تتصل بمشروع الدولة، وصيانة علاقات لبنان بالمحيط العربي، والمجتمع الدولي والاتفاقات الدولية. الحالة الثانية تفترض أن يكون الجنرال مرشحا يتم قبوله ضمن صفقة مقايضة مصالح محددة، لا تعنى بمواقف الجنرال، ولا بمشروعه الرئاسي ولا تطلب منه أي تعديل على شبكة تحالفاته الحالية التي لا تصب في مصلحة لبنان وسيادته ودوره وحضوره.

حزب الله يعيش الآن مأزق احتمال إعلان ترشيح جعجع للجنرال، بعد أن بات واضحا أن ترشيح الحزب للجنرال عون وإصراره عليه، يأتي متناغما مع استحالة وصوله للرئاسة. جدية ترشيح الحزب للجنرال تخضع الآن لاختبار صدقية، يمكن لفشل حزب الله المتوقع في الوفاء بمتطلباته أن يضعه في مأزق فعلي، حيث سيحرمه من الواجهة المسيحية التي يحتمي بها، ويضعه في مواجهة عامة مع جل المكونات المسيحية. هذا الوضع إذا أضفنا إليه العداوة المعلنة لحزب الله مع المكون السني من شأنه أن يعيد الحزب إلى ما كان الوضع عليه لحظة انطلاقة 14 آذار، حيث كان وحيدا في مواجهة جل اللبنانيين، قبل أن يهب “تسونامي الجنرال” ويعيد إليه بعضا من التوازن في اللعبة اللبنانية.

“تسونامي” الجنرال يبدو الآن جاهزا للهبوب في اتجاه مغاير للطموحات الإلهية. الرجل الثمانيني يعلم أنه يخوض آخر معاركه، لذا لن يكون من المتوقع أن يغفر للحزب خيانته له وتخليه عنه، وهو الخيار الذي لا تظهر وقائع الأمور والمناخات السائدة حاليا في السياسة، لبنانيا ودوليا، أن الحزب يمتلك خيارا سواه.

لا يمكن التكهن بدقة باتجاه “تسونامي” الجنرال، ولكن من المرجح أنه لن يكون في صالح حزب الله. مبادرة جعجع إلى ترشيح الجنرال لا تقدم دفعة معنوية وسياسية وشعبية كبيرة تصب في رصيد الجنرال، بقدر ما هي في الواقع رصاصة رحمة تطلق على طموحاته الرئاسية، وعلى تحالفه مع حزب الله في آن واحد.

جعجع صوّب نيرانا كثيفة على كل منطق حزب الله بشكل عام، وعلى تصريحات محمد رعد ضد سعد الحريري التي أطلقها مؤخرا. لم يعد نقاش شرعية تمثيل الحريري وضرورة عودته إلى لبنان رئيسا للحكومة موضع نقاش بعد الآن، لأنه وقياسا على منطق الحزب نفسه الذي ينادي بضرورة تمثيل الطوائف بمن يحظى بالغالبية الشعبية فيها، والذي بنى على أساسه ترشيحه للجنرال، فإن هذا المنطق نفسه يفترض بأن يكون الحزب، على العكس مما نادت به تصريحات محمد رعد، هو من بين أبرز المطالب المنادية بعودة الحريري إلى لبنان وإلى رئاسة الحكومة.

جعجع يرشح الجنرال عون وليس قاسم سليماني لرئاسة لبنان، ولكن ما العمل إذا كان حزب الله لا يرى في وجه أي رئيس محتمل للبنان سوى ملامح قاسم سليماني التي لا تبدو مطابقة حاليا لمواصفات الرئاسة اللبنانية، ولا للمناخات المحلية والدولية المرتبطة بالشأن الرئاسي اللبناني.

لا يمكن أن يأتي رئيس جمهورية في لبنان إيراني الملامح في لحظة اشتباك سعودي إيراني محتدمة، يسعى الطرفان إلى تبريدها دبلوماسيا دون التراجع عن عناوينها الرئيسية.

تصريحات ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لصحيفة “الإيكونوميست” البريطانية، والتي يعلن فيها نية بلاده في عدم السماح بنشوب حرب مع إيران، والتصريحات الإيرانية التي تبرز خلف مشهد التصعيد نزوعا إلى التهدئة والتخفيف من حدة التوتر، تعلن أن الجنرال عون لا يمكن أن يكون رئيسا، إلا بعد اندلاع الحرب الفعلية المباشرة بين السعودية وإيران، وانتصار إيران فيها.

رشح جعجع الجنرال عون لكي يعدم قاسم سليماني. يحتاج الجنرال عون كي يصبح رئيسا إلى أن يطلق بيده الرصاصة على حالة الحرس الثوري الإيراني التي يسكن فيها عبر حلفه الإلهي، فهل يستطيع، وهل يسمح له حزب الله بذلك؟

إذا كان يستطيع فليكن رئيسا. هذه هي المعضلة التي فجّرها سمير جعجع ببراعة عدّائي المسافات الطويلة وصبرهم في وجه الكذب الإلهي.

كاتب لبناني

9