جعفر هادي حسن: خمسون عاما من البحث في الفرق والحركات اليهودية

الخميس 2014/04/24
جعفر هادي سعى إلى فهم العقلية اليهودية من خلال التتبع التاريخي

قدّم جعفر هادي حسن، المختص في اللغة العبرية وحقل الدراسات اليهودية، شهادة قيّمة في الأمسية الثقافية التي أقامتها مؤسسة الحوار الإنساني، مؤخرا بلندن، احتفاء بمنجزه الفكري الّذي يمتد على خمسة عقود، على أقل تقدير. فقد أمضى جعفر هادي عقد السبعينات من القرن الماضي برمته في دراسة اللغات السامية (العبرية، الآرامية، السريانية، الفينيقية)، إضافة إلى تخصّصه في حقل الدراسات اليهودية في جامعة مانشستر البريطانية، هذا إذا ما وضعنا جانبا، دراسته للغة العربيّة في جامعة بغداد وحصوله على شهادتي البكلوريوس والماجستير.

درّس جعفر هادي ثلاث سنوات في جامعة الملك عبدالعزيز لكنه لم يستطع أن يكتب شيئا البتة، فلم تكن الظروف مشجعّة على الكتابة العلمية أو البحث العلمي، لكنه لم يكشف النقاب عن طبيعة هذه الظروف التي منعتهُ من الكتابة، وتركته يستغرق في التأمل والتفكير طوال تلك السنوات الثلاث، لكنه ما إن عاد إلى إنكلترا عام 1982 حتى عقد العزم على الكتابة، وفق خطة معينة رسمها في ذهنه، لا سيما أنّه يمتلك أدوات مختلفة للتعبير مثل اللغات السامية الأربع، آنفة الذكر، إضافة إلى دراسته لليهودية كدين وفكر وتاريخ، ناهيك عن استفادته الجمّة من الأساتذة والعلماء الّذين أشرفوا على تدريسه في بغداد ومانشستر، وزرعوا فيه حبّ الموضوعية والالتزام بالجانب العلمي المحايد.


شبتاي سفي ويهود الدونمه


ذات يوم كان جعفر هادي يبحث عن مُؤَلَّف في مكتبة جامعة “سواس”، فوجد، مصادفة، كتاباً يحمل عنوان “تهرُّؤ اليهودية في وقتنا الحاضر” لموشي مِنوهَين، لفت نظره. وأثناء قراءته لهذا الكتاب عثر على موضوع “شبتاي سفّي”، مؤسس حركة الدونمة، حيث يقول المؤلف أنّ هذه الحركة هي من أهمّ الحركات التي ظهرت في تاريخ اليهودية.

فكيف لا يعرف جعفر هادي عنها شيئا وهو المختص بالدراسات اليهودية؟ لذلك ذهب إلى الموسوعة اليهودية مباشرة، فهي المصدر الأول الذي يعود إليه بالنظر، فأعجبه الموضوع كثيرا، خاصّة وأنّه لم يرَ شيئا مكتوبا عنه باللغة العربية، سوى كُتيّب صغير، لذلك كتب مقالا عن شبتاي سفّي ويهود الدونمه ونشره في مجلة العربي عام 1985، ثمّ قرّر أن يطبع الكتاب على نفقته الخاصّة بمبلغ كبير، والأدهى من ذلك أنّ الكتاب ظهر مليئا بأخطاء كثيرة، ولكنّه ما إن تحسس ردود الفعل الطيبة على النسخة الأولى، حتّى أعاد طبعه ثانية في لبنان، وكان الإقبال في المرّة الثانية أفضل ممّا كان عليه مع الطبعة الأولى.

ثم طبع الكتاب طبعة جديدة، منذ ثلاث سنوات، وقد أضاف إليه جعفر هادي نحو خمسين صفحة تحتوي على معلومات مهمة عن هذه الفرقة التي تغلغلت في المجتمع التركي، واحتل بعض أعضائها مناصب حساسة في الدولة التركية. وكانت نسبة مبيعات هذه الطبعة مشجعة.


فرقة القرائين اليهود

منجزات جعفر هادي
◄ إنشاء معهد للدراسات العربية بلندن لتعليم اللغة العربية للأجانب

◄ كتابة مادة «اللغة العبرية أصلها وتاريخها وتطورها» لدائرة المعارف الإسلامية في تركيا

◄ مشاركة بمحاضرة افتتاحية في اللجنة العربية اليهودية في البرلمان البريطاني



أصدر جعفر هادي كتابه الثاني الذي حمل عنوان “فرقة القرّائين اليهود”، الممتدّ على 150 صفحة في طبعته الأولى التي صدرت عام 1989، وقد جاءته رسالة من عالِم كبير هو “أف، فانتون”، رئيس قسم الدراسات العبرية واليهودية من جامعة ستراسبورغ شجعته على أن يعيد طباعة الكتاب.

وقد كتب فانتون هذه الرسالة باللغة العربية، مفتتحا إياها بعبارة “بسم الله الرحمن الرحيم”، مبينا فيها احترامه لشخص جعفر، وهي مذيلة بتاريخ 1 مارس 1996، نوجزها في ما يلي: “أنه جاء إلى لندن في زيارة واقتنى نسخة من كتاب ‘فرقة القرائين اليهود’ الذي وجده ممتعا، فقرأه بعناية فائقة فوجد أنّ الكاتب متبحر في الموضوع ومتبع لمنهج متوازن في البحث.

كما سأل الباحث عن الحافز الذي شجّعه للاهتمام بهذا الموضوع تحديدا. وأعرب عن رغبته في اقتناء نسخة من كتاب ‘الدونمة’ الذي نفذ من المكتبات، وتمنّى أن يرسل له الكاتب نسخة منه إن كان متوفرا لديه، سائلاً الله أن يتوِّج جهوده الكريمة بالتوفيق”. هذا وقد غيّر المؤلف عنوان كتابه من “فرقة القرائين اليهود” إلى “تاريخ اليهود القرائين منذ ظهورهم حتى العصر الحاضر”، كما أن عدد الصفحات قد تنامى من 150 صفحة إلى 430 صفحة.


غلطة زمن


وفي السياق ذاته توقف جعفر هادي عند مكان بالقاهرة يسمّى “الجنيزة” وهو كنيس بن عزرا، المكان الذي يرمون فيه الأوراق والوثائق التي لا يجوز إتلافها أو إهمالها وفقاً للديانة اليهودية، خاصّة إذا انطوت على اسم الله سبحانه وتعالى بين ثناياها، حيث يتم تخزينها في غرفة من غرف الجنيزة التي دأب اليهود على تخزين أوراقهم ووثائقهم فيها منذ القرن التاسع ميلاديّا حتى القرن التاسع عشر.

حيث تمّ اكتشاف هذا المكان من قبل شخص ما، وتبيّن أنّ عدد الوثائق الموجودة فيه تعادل الـ 250.000 وثيقة، وأنّ الكثير منها متعلّق باليهود القرائين، ولو كانت هناك “غلطة زمن”، لأصبح اليهود القرّاؤون هم الاتجاه السائد والبقية مجرد فروع، لكن الزمن يسير وفق مسارات محددة، فشرع العلماء اليهود من ثمّة في طباعة ونشر ما وجدوه عن القرائين.

كان جعفر هادي حسن ذات يوم في مكتبة “سواس”، فوجد كتاباً يمتدّ على ألف صفحة يحمل عنوان “اليهودية القرائية”، فهل من المعقول أن يترك هذه المادة الضخمة التي تتوفر على مصادر كثيرة؟ بدأ يراجع هذه المصادر وهو يكتب الكتاب منذ عشرين عاماً إلى أن ظهر في طبعته الثانية عام 2014، وما تزال عنده مادة غزيرة لم يضفها إلى الكتاب كي لا يكون أكبر مما هو عليه الآن، حيث أنّه بلغ الـ 430 صفحة.


قضايا وشخصيات يهودية

جعفري هادي حسن اهتم بتاريخ اليهود في مؤلفاته


أما الكتاب الرابع الذي لا يختلف في مادته الثرية عن الكتب الثلاثة السابقة، فهو “قضايا وشخصيات يهودية”، الذي صدر في العراق عام 2011، وقد تناول فيه الباحث عشر قضايا يهودية مفصلية، إضافة إلى تسليطه الضوء على أربعة فلاسفة يهود وهم كلّ من؛ سبينوزا، أوريل داكوستا، يوسف ناسي ويعقوب كلتزكن. ثمة موضوعات محورية في هذا الكتاب لم يُكتب عنها باللغة العربية، نذكر منها موضوع “الحركة النسوية اليهودية”، وقد أراد الباحث أن يقدّمها للقارئ العربي واليهودي الذي يقرأ العربية أيضاً لكي يطلِّع على ما يدور في ثنايا اليهودية؛ كيف ظهرت هذه الحركة إلى الوجود؟ كيف أثّرت في اليهودية أيضا؟ ولماذا تركت هذا التأثير؟

أما الكتاب الخامس الذي نترقبه بشغف كبير، فهو”البحث عن قبائل بني إسرائيل الضائعة والمشروع الصهيوني”، الذي يسلّط الضوء على عدد غير قليل من المنظمات الصهيونية التي تريد أن تجلب أعداداً كبيرة من الناس بحجة انتمائهم إلى قبائل بني إسرائيل الضائعة التي تناثرت في الهند وأفغانستان وباكستان حتى وصلت إلى اليابان. وبالفعل فقد وصلت إلى إسرائيل مجموعات من هؤلاء اليهود “الضائعين” الذين يسكنون في الهند وميانمار وأماكن أخرى من العالم. وهذه حركة مهمة وكبيرة غير أنّ الناس بصورة عامة- بما في ذلك اليهود- لا يعرفون عنها شيئاً، وقد كتب عنهم جعفر هادي فصلاً في هذا الكتاب، ونتمنى أن يرى النور قريباً.

لدى كل كاتب وباحث عدد من المنجزات التي يعتز بها، وجعفر هادي حسن يفتخر بثلاثة أشياء أنجزها خلال رحلة حياته الثقافية والفكرية. المنجز الأول هو إنشاء معهد للدراسات العربية بلندن لتعليم اللغة العربية للأجانب، كما كان يسعى لتحسين صورة العرب والمسلمين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. أما المنجز الثاني فيتمثل في كتابة جعفر هادي لمادة “اللغة العبرية أصلها وتاريخها وتطورها” لدائرة المعارف الإسلامية في تركيا، وظهرت هذه المادة في المجلد 22، وقد كان سعيدا أن يُطلب منه، ولا يُطلب من باحث يهودي أو من مسيحي، أن يكتب مادة اللغة العبرية في دائرة المعارف الإسلامية المذكورة أعلاه.

فيما يتمثل المنجز الثالث في اللجنة العربية اليهودية في البرلمان البريطاني التي شُكلت قبل عشر سنوات تقريباً، وبحثت اللجنة آنذاك عن محاضرين للجلسة الأولى فاختاروا ثلاثة أشخاص أحدهم مسلم وهو جعفر هادي حسن، والثاني مسيحي وهي كارين آرمسترونغ، والثالث يهودي وهو رئيس جامعة بوستن.

وقد تحدث جعفر هادي عن اليهود في الدولة الإسلامية من القرن السابع إلى القرن التاسع عشر ميلاديّا، وكان أغلب الحضور من بين اليهود، وعندما انتهى من المحاضرة وانفضّ الاجتماع، جاء كل اليهود الذين استمعوا إلى المحاضرة، وطلبوا منه بلا استثناء نسخة من ورقتها التي قوبلت باستحسان كبير. وكلما يتمّ عقد هذا الاجتماع سنوياً، يذكر الحاضرون أنّ المحاضر الأول كان جعفر هادي حسن التي تميّز بنفَسه الحيادي وتفكيره الموضوعي، وذهنيته العلمية الصارمة. وهي ذات السّمات التي دفعت مؤسسة الحوار الإنساني لتكرّمه وتحتفي بمنجزه الفكري.
13