جعلتك كالآتي

الجمعة 2017/10/13

“الجنة.. تكريم لغسان غزال” هو عنوان شريط فيديو آرت حققته الفنانة اللبنانية ناهد منصور سنة 2016، ووهبته لذكرى الفنان اللبناني غسان غزال الذي غادر الحياة منذ سنتين وهو لا يزال في أوج حياته.

جاء هذا الفيديو الذي عرضته في برلين كنوع من مخاطبة الغائب الذي تشكلت بينهما علاقة متينة، عقدت أواصرها على التواصل الثقافي والتلاقي الفكري والانسجام الروحي وعاطفة حب شديدة لم يُكتب لها أن تستمر إلاّ في أثيرية الذكرى وفي أوردة البيانات الديجيتالية.

لم تتمكن الفنانة التي تعيش في برلين قبيل وفاة الفنان من أن تقدم عملها هذا على منبر فني على أرض لبنان، ربما لتلكؤ أو عدم اكتراث بعض أصدقائه المقربين من الفنانين لمساندتها، ورفضت صالة فنية عرضه لأن “أوانه فات” بعد مرور أكثر من سنة على وفاة الفنان، فهذا العمل الفني كغيره من الأعمال لفنانين رحلوا عن هذا العالم، لا تقاس قيمته بمدى جماليته أو بقوة الإحساس الذي أنتجه، بل يصار تقييمه بناء على المنطق الترويجي، يمكن لهكذا عمل فني أن تكون له قيمته “الاستثمارية” فقط بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الوفاة.

أما العالم الرقمي، غير المحكوم بالجغرافيا التقليدية والكامن في لا محدوديته على شبكات التواصل، كان أكثر رحابة واستيعابا للعمل فأمّن للفنان “حضوره” الدائم فنيا كما أمّن لذكراه في نفس الفنانة بعضا من نواحي خلود هو من أهم هواجس البشرية.

انهمك غسان غزال في السنوات الأخيرة قبل وفاته المفاجئ في التعبير الفني المفاهيمي، وكان في صدد تحضير لأعمال فنية فيها من الغرابة ما يكفي للتلاقي مع العوالم الافتراضية، وفيها من الواقعية ما يتصل اتصالا مباشرا مع مظاهر العيش الفجّ بين البشر.

ويُعتبر هذا الفنان من أهم الفنانين المعاصرين الذين تبنوا العمل المفاهيمي دون أن يلتحفوا برداء الإبهام أو النخبوية كغيره من الفنانين الذين لم يستطيعوا إقامة التوازن ما بين التعبير الفني، والفكري المبني على قراءات سوسيولوجية أو فلسفية، نذكر من هؤلاء الفنانين وليد رعد وأكرم زعتري.

جاء شريط الفيديو الذي قدمته الفنانة ناهد منصور جليديا كصمت ما بعد الفاجعة، جارحا كحد سكين تم سنّه على وقع نبضات القلب، ومينيماليا مثل ندرة الكلمات في وصف ما لا يوصف، وفنيا بامتياز لأنه استطاع أن يقيم التوازن ما بين الفني والفكري في تناص لافت مع عمل الفنان التجهيزي/الاستعراضي الأخير بعنوان “ضحية”.

وكان الفنان قد استخدم في عمله الأخير لغة “البرايل” لطباعة نص ديني على جلد خروف حيّ أطلق عليه اسم “فارو”، جاعلا منه رمزا للضحايا بشكل مطلق، غير أن الفنانة في فيديو آرت “جنّة” غيرت النص، وجعلت “البرايل” واشما بالحنة كلمات رائعة بعمقها وحساسيتها كتبها يوما ما الفنان عن معنى الحب، كما جعلت الفنانة ناهد منصور مسامات جلدها العاري مساحة لاستقبال تلك الكلمات.

هل صفحات العالم الافتراضي أكثر رحابة من واقعية العالم؟ وهل يرى فيه البعض شكلا من أشكال التواصل مع غائب عزيز انتقل إلى عالم آخر؟

يبدو أن مناجاة مفقود في شكل عمل فني أو في هيئة كلمات مكتوبة لها دويّ آخر على صفحات التواصل الاجتماعي “اللانهائية”، فهي غير موجهة للآخرين بقدر ما هي موجهة إلى الآخر/الغائب لعله يسمع، ولعله يرى هول ما ترك من أثر.

“الجنة”، عمل فيديو مؤثر يقدم محاولة إجابة عن أحد السؤالين، وكيف لا وقد أرادته الفنانة كالآتي: مُنقطا بكلمات الفنان هذه “الحب هو أعجوبة غير مشروطة، يرفض القوالب التي يضعها له البشر.. هو لغة روحية.. لا يجب البحث عنه مع الرجاء العثور عليه لأنه يسكننا، وبالإيمان فقط يمكن العثور عليه”.

ناقدة لبنانية

17