جعلوني مجرما

الحكومة الأسترالية تنفق قرابة 16 مليار دولار كل عام على احتجاز السجناء هناك، فربما يفهم المرء سر هذا الإقبال الرهيب لدرجة المخاطرة بالحياة في قوارب موت باسم الهجرة.
السبت 2019/06/29
تجربة تستحق الاعتبار

وفق ما قرأته منسوبًا إلى أخصائي سويدي في علم الجريمة، فإنه قال إن كلفة السجين الواحد في بلاده تبلغ ما بين 6 إلى 15 ألف كرونة يوميّا، أي ما يزيد عن 1000 دولار أميركي تقريبًا، ما يعتبر بالنسبة لمواطن عربي “بائس” مثلي، كنزا استراتيجيّا يستحق أن يُهرَع إليه فورًا -ولو زحفا على أربع- وارتكاب أي جريمة قتلٍ لا إعدام فيها بالتأكيد، وبالتالي قضاء ما يتبقى له من عمر بمثل هذا “النعيم” المقيم ولو كان في سجن يفوق فنادق الـ5 نجوم!

وإذا علمت يا أيها المواطن العربي “الصالح” أن دولة كأستراليا مثلًا، حلت رابعة عالميًّا بعد السويد والنرويج وهولندا، حسبما أفاد تقرير لمعهد الشؤون العامة (آي.بي.أي)، من حيث الإنفاق على السجون -وبالتالي المساجين- إذ تنفق الحكومة قرابة 16 مليار دولار كل عام على احتجاز السجناء هناك، فربما يفهم المرء سر هذا الإقبال الرهيب لدرجة المخاطرة بالحياة في قوارب موت باسم الهجرة، تمخر عباب البحار والمحيطات سعيًا لهذا السجن الكبير.

لا مقارنة بالتالي مع سجوننا العربية، لأنها ظالمة، ومع ذلك، فإنها تجربة تستحق الاعتبار ولو لرجل يبسمل ويحوقل لمجرد المرور بجوار قسم شرطة، لأن مفهوم السجون لدينا يتجاوز كثيرا العبارة الشهيرة “تهذيب وإصلاح”، بل العكس الذي ربما يصل حد الإدمان.

عم إسماعيل، رجل قريتنا البسيط -يرحمه الله- غرق قاربه في النيل قبل عقود، فاستنجد بـ”الحكومة” لتنتشله، وفعلًا جاءت الرافعة التي انتظر سائقها “بقشيشا” جراء نجاح مهمته، رفضه عم إسماعيل طبعًا لأنه كان يعتقد أن معه الحكومة، فما كان من السائق سوى إسقاط القارب في المياه مرة أخرى، ليستشيط العم إسماعيل غضبا ويكتب شكوى للرئيس الراحل جمال عبدالناصر، في الرئيس جمال عبدالناصر الذي لا يستطيع القضاء على الفساد.. أو هكذا تخيل!

أيام تمضي، ويفاجأ بسيارة “مباحث” تأتي إليه وتأخذه لـ“المركز” للتحقيق في الشكوى فيشعر بالانتصار، رغم أنه لاحقا تناسى تماما أمر قاربه، وإن لم يترك أبدا مهمة “الشكوى”، كل ما كان يشاهده طفل مثلي وأقرانه، هو ما اعتاده عم إسماعيل، عندما تنزل سيارة الشرطة للقرية، يهرع لجمع ملابسه في “كيس” مودعا أهله ويذهب مع رجال الشرطة راضيا، دون أن يكون هو المقصود.. كان تبريره الساخر: “رايح أتفسَّح وأغيَّر جو”!

24