جعلوني نباتيا

نحن عشاق الشواء إذا ما استطعنا إليه سبيلا ـ لسنا ذئابا بشرية كما يصورنا النباتيون، كذلك لسنا خرفانا وأرانب وسلاحف لا تحلم إلا بالخص والجزر والحشائش.
الثلاثاء 2020/02/11
لو كان خروفي معي لترك البقدونس للنباتيين

لو دُعيت لحفل الأوسكار هذا العام، لمشّطت فروة خروفي وطوقت عنقه بربطة بابيون، واصطحبته معي لذلك العشاء المزدحم بأطباق النباتيين الذين فرضوا ذائقتهم، ونجحوا في استبعاد اللحوم الحمراء من موائد حفل الختام.

حتما، كان سيتلذذ خروفي بما لذّ له وطاب من الحشائش والخضراوات وهو يتجشأ، ويصيح مبتهجا إلى جانب كبار نجوم السينما في العالم، بينما ينظر إليه اللاحمون بغيظ مكتوم، مستنكرين وجوده بينهم وهم على قناعة بأنّ مكانه الطبيعي هو في بطونهم وعلى موائد الشواء.

كان سيتقرّب ويتودد النجوم النباتيون من خروفي، ويلتقطون معه صور “سيلفي”، وربما حُظي بقبلات دافئة من نجمات هوليوود وهو يتهادى فوق السجاد الأحمر المصنوع من صوف أسلافه.

كنت سأسرق الأضواء و”أصنع الحدث” لو اصطحبت خروفي إلى مسرح دولبي بمدينة لوس أنجلس، وجعلته سببا وذريعة للتعرف إلى أجمل الجميلات وكبار المنتجين، على اعتبار أن هؤلاء صاروا جميعهم ـ وبحكم الموجة ـ لا يحبون الخرفان إلا وهي تتحرك وتمشي بينهم، بعيدا عن موائد الشواء.

الحقيقة أن خروفي ـ نفسه ـ ليس “نباتيا صرفا”، ذلك أن علفه المستورد يحتوي على مواد عضوية تدخل في تركيبها لحوم قادمة من بني جنسه، ثم أنه يمشي إلى مصيره عن طيب خاطر.. فلماذا يسعى غلاة النباتيين أن يكونوا “خروفيين” أكثر من الخرفان؟

وبصرف النظر عن التوازن البيئي والتطلب الغذائي اللذين يسمحان ببعض الذبح والصيد، فإننا ـ نحن عشاق الشواء إذا ما استطعنا إليه سبيلا ـ لسنا ذئابا بشرية كما يصورنا النباتيون، كذلك لسنا خرفانا وأرانب وسلاحف لا تحلم إلا بالخص والجزر والحشائش.

شخصيا، جربت مرة أن أكون نباتيا بعد أن كنت يوما في مزرعة أحد الأصدقاء المغرمين بفلسفة بوذا وكونفشيوس، ونظرت لي دجاجة وأنا متلبس بأكل بيضة.. خجلت من فعلتي تلك، وكذلك فعلت البقرة حين هممت بشرب حليب طفلها. لم تستمر معي هذه المغامرة النباتية أكثر من بضعة أسابيع. قصدت مطعما متخصصا في الشواء على حين ميسرة، فوجدت صديقي الذي كنت أظنه نباتيا، أمام طبق شهي من الكباب الحلبي.. نظرت إليه فقال “الحقيقة أنا آكل الكباب لأن فيه البقدونس.. وأنا أعشق البقدونس كما تعلم”.

ضحكنا ضحك لاحمين معا ثم انغمسنا في الشواء عند ذلك المطعم الشعبي الذي تتفوق أطباقه، ألف مرة، على أطباق حفل عشاء الأوسكار.. ولو كان خروفي معي لخلع ربطة عنقه، وأكل ما لذ وطاب له من شواء، وترك البقدونس للنباتيين.

نسيت أن أخبركم بأن ليس لدي خروفا كي أحضر الأوسكار، لكني لمحت رأسه هذا الصباح في دكان القصاب وبين أسنانه عرق من البقدونس.

24