جغرافية "الوطن" الداعشي

الخميس 2014/10/16

شكلت داعش منذ ظهورها فارقا نوعيا مختلفا عن ممارسات التنظيمات الإسلامية المسلحة بشكلها السابق، إذ تمكنت من خلق وطن للمقاتلين يدافعون عنه وينتمون إليه.

كثر الحديث عن آلاف المتطوعين من الدول الغربية للقتال مع هذه الدولة في العراق والشام، ولفت نظر الدارسين أن جذب الدولة الإسلامية للمتطوعين فاق كثيرا ما تم خلال حرب أفغانستان والعراق، إذ أن الانتماء إليهما لم يتعدّ الانخراط في مواقع المقاومة والمواجهة. ولا يمكن القول إن هؤلاء المتطوعين جاؤوا بحثا عن مكسب مادي أو دنيوي، أو أنهم جاؤوا يدفعهم اليأس والفراغ، أو الجهل والتخلف، التي قد تكون أسبابا لهذه المشكلة، ويبقى السبب الأهم هو تعبيرهم عن الانتماء إلى ما يسمى الدولة الإسلامية، واتخاذها وطنا، وهذا فارق جوهري له أبعاده الفكرية شديدة الأثر.

هذا “الوطن” المرتبط بسلطة دينية مطلقة لا يمكن حصره في الحدود الممتدة بين سوريا والعراق، والتي تنقص وتزيد حسب مجريات المعارك، فهو يمثل أكثر من مجرد أرض بالنسبة للتيارات الجهادية، إنه يشكل مركز انطلاق نحو إنشاء دولة الخلافة الحلم، وإن كل الجهاديين، وكل التشكيلات التي تعمل تحت لواء التعصب الديني تصب في إطار الجغرافيا البشرية لهذه الدولة الإسلامية. بذلك يغطي هذا «الوطن» مساحات مترامية الأطراف في كافة دول العالم، التي تشكل كلها جغرافيا لدولة الخلافة الإسلامية سواء أعلنت المنظمات الإسلامية “الجهادية” العاملة فيها تبعيتها للدولة الاسلامية، أم لم تعلن بعد، وليس مهما أن تكون فكرة الخلافة الإسلامية التي يطرحها هذا التنظيم صحيحة أو متوافقة مع الشرع الإسلامي، المهم قوة تأثيرها عند المؤمنين بها، ولا يهم ما إذا كانت هذه المنظمات قد أعلنت تبعيتها وبايعت دولة الخلافة أم لا، إذ أن التبعية الروحية متوفرة، وهذا يمثل بيئة لتحرك القوى الجهادية ولاكتساب مزيد الجهاديين من أعضائها.

هذا المخزون البشري هو شباب متعلم يوفر للدولة الإسلامية قوة قتال جاهزة في مختلف المجالات، قوة عسكرية وعلمية ومعرفية متنوعة المصادر والتجارب، كما يقدم أساسا تقنيا لا يستهان به في إطار التعامل مع وسائط الإعلام، وقد يكون الجهاديون الغربيون أكثر فعالية إذ يمتازون بمعرفة اللغة والقيم وأساليب التفكير الغربي، إضافة إلى سهولة التنقل بين “الدولة الإسلامية” ودولهم الأصلية دون عوائق، كما أن هذه القوة الجهادية تتطلع إلى فرض قيمها الدينية في المجتمعات التي تعيش فيها، وبأساليب القوة التي تنتهجها الدولة الإسلامية، مما يعني استعداد أفرادها لنقل المعركة إلى داخل بلدانهم في أي وقت، ما أدى إلى استنفار النظام الدولي وكل أدواته، وتحضير كافة الطرق لمواجهة داعش التي تشكل خطرا يمتد إلى كل دول العالم، لتبدأ حرب مشبوهة أخرى جعلت قضية الخلافة الإسلامية عنوانا لحرب واسعة على المنطقة، وحولتها بوابة لفتح الخرائط المخططة سابقا في صياغة الشرق الأوسط الجديد القائم على تفكيك دول المنطقة وإعادة تركيبها على أسس طائفية وعرقية وقبلية.

هذه الحرب التي تتجاهل الأسباب الحقيقية للإرهاب، وتهدف إلى القضاء على داعش، قد تعطي نتائج على الأرض، لكنها لن تحقق الأهداف المرجوة في محاربة الأفكار التي ترسم مشاريعها داخل العقول المتعصبة لبناء جغرافيا الأرض التي ستقوم عليها دولة الخلافة، والتي يلاقي السعي لإقامتها شبه إجماع في الدعوات الجهادية وإن اختلفت الطرق. لهذا على من يريدون إنهاء ظاهرة “داعش” ألا يتعقبوا نتائجها الآنية، بل محاربة فكرها الذي سيؤسس لجغرافية وطن آخر لدواعش جدد.


كاتبة ورسامة سورية

9