جفاف قاس يهدد الزراعة وكل مفاصل الحياة جنوب العراق

الجفاف يدفع سكان 20 قرية جنوبية إلى النزوح، فيما تستحوذ كل من إيران وتركيا على مصادر المياه العراقية.
الخميس 2018/04/26
الجفاف ينذر بأزمة إنسانية جديدة بالعراق

 سيد دخيل (العراق) - يبحث الفلاح أبوعلي بدقة داخل حفرة لتشغيل محرك كهربائي صار الوسيلة الوحيدة لأهالي محافظة ذي قار الجنوبية للحصول على الماء، بعدما بات الجفاف المتزايد يهدد الزراعة ومختلف جوانب الحياة في جنوب العراق.

يقول هذا الرجل المزارع أبا عن جد لوكالة فرانس برس إن “مياه النهر بدأت تجف منذ العام الماضي، والآن انقطعت بالكامل. لم يبق لدينا سوى آبار المياه للعيش”. واستطاع أبوعلي (73 عاما) الذي يسكن في قضاء سيد دخيل الواقع إلى شرق مدينة الناصرية (300 كلم جنوب بغداد)، إعادة إحياء مزرعته من مياه بئر كلفته نحو مليوني دينار عراقي (حوالي 1600 دولار).

ويضيف الرجل بجلابيته التقليدية ممسكا معوله أن مياه “البئر تشرب منها أبقارنا وأغنامنا، ورغم طعمها المر فإننا نستخدمها أيضا للشرب”. ودفعت الحاجة أبوعلي إلى شراء نحو 18 مترا مكعبا من الماء أسبوعيا ووضعها في خزانات وزعها في باحة منزله، بمبلغ يصل إلى عشرين ألف دينار، لكنها لا تسد حاجة عائلته. أبوعلي ما زال صامدا، لكن الجفاف الذي ضرب البلدة، كما هو الحال في مناطق واسعة من جنوب البلاد، دفع بسكان نحو عشرين قرية إلى النزوح.

معاناة العراقيين لا تتوقف رغم مكاسب الحكومة العراقية في تحقيق انتصارات ميدانية ضد تنظيم الدولة الذي دخل البلاد منذ العام 2014،  ولا توجد مؤشرات على حياة طبيعية تمنحهم الحق في عيش بأمن وسلام على الرغم من الوعود الانتخابية التي تطلقها التيارات السياسية المختلفة بالبلد مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في مايو القادم، حيث يشكو المواطنون العراقيون من أزمة مياه كبيرة تهدد بجفاف قاس خاصة في المحافظات الجنوبية قد يؤدي إلى إتلاف مساحات هامة من الأراضي الزراعية، وعلى الرغم من العوامل المناخية القاسية وسوء توزيع المياه من قبل الحكومة العراقية، فإن إيران وتركيا اللتان تطمحان في التوسع بالمنطقة تضغطان على العراق من خلال استغلال ورقة المياه باعتبارهما مصدرين رئيسين له لتمرير سياستهما الخارجية البراغامتية، الأمر الذي نجم عنه نفاد مخزون المياه العراقي بعد استحواذ إيران وتركيا على سدود ومصادر المياه

وتعاني عدة مناطق ومحافظات عراقية السنوات الأخيرة من أزمة میاه حادة قد تؤدي بحسب خبراء إلى كوارث بیئیة كبیرة بسبب الجفاف التي تتعرض له، حیث شهدت محافظات النجف والبصرة وذي قار ومیسان والمثنى نقصا حادا في مناسیب المیاه ما تسبب في تعرضها للجفاف ودمار المئات من الأراضي الزراعية.

ويذهب بعض الخبراء إلى أن مشكلة نقص مياه المحافظة تعود إلى التوزيع الخاطئ وعدم التزام المحافظات بالحصص المائية المقررة لها، ما أدى في نهاية المطاف إلى تحول العديد من الأنهار في المحافظات الجنوبية إلى أرض جرداء بعد جفاف مياهها.

وعلى غرار الأسباب الداخلية والعوامل المناخية التي قادت إلى هذه المعضلة القاسية فإن العامل السياسي يلعب دورا أساسيا في ما يعانيه العراقيون من جفاف، ويقول محللون إن سياسة المياه التي تعتمدها تركيا وإيران مثل بعض الدول، والطامحتين في التوسع بالمنطقة، تستفيدان من خلالها لدعم دورها الإقليمي باعتبارهما لاعبين بارزين في أزمات المنطقة، حيث تستغلان استحواذهما على مصادر المياه لبلورة سياستهما الخارجية والمزيد من الضغط على دول الجوار.

المياه الممتدة من إيران وتركيا

يقول المهندس مهدي رشيد، مدير عام السدود والخزانات المائية في وزارة الموارد المائية العراقية، إن “انخفاض منسوب مياه الأنهار سببه انحسار الأمطار للموسم الثاني على التوالي وارتفاع درجات الحرارة التي تتجاوز عادة الخمسين درجة خلال موسم الصيف”، ويضيف أن “الأمطار تشكل ثلاثين في المئة من موارد العراق المائية، فيما تشكل مياه الأنهار السبعين في المئة الباقية الممتدة من إيران وتركيا”.

ويكشف رشيد عن قيام “إيران بتغيير مجرى نهر الكارون بالكامل وإقامتها ثلاثة سدود كبيرة على نهر الكرخة” بعدما كانا يمثلان مصدرين رئيسين للعراق. ويشير المهندس المائي إلى أن “العراق كان يشترك مع إيران من خلال 45 رافدا مائيا، لم يبق منها اليوم سوى ثلاثة أو أربعة فقط”.

ويلفت إلى أن “الأمر نفسه مع تركيا (…) الآن نتواصل مع تركيا بخصوص سد إليسو الذي كان مقررا دخوله العمل في مارس الماضي. وتعد تركيا التي يتدفق منها نهرا دجلة، الذي يصب مباشرة في العراق، والفرات الذي يصل إلى سوريا، من المصادر الرئيسية للعراق الذي عرف من خلالها عبر قرون بـ”بلاد ما بين النهرين”.

ورغم وجود خزانات مائية وسدود رئيسية في البلاد، بينها سدود الموصل وحديثة ودوكان وأخرى متفرقة صغيرة، تصل طاقتها الخزنية الكلية إلى 96 مليار متر مكعب، “فإن المتوفر فيها حاليا حوالي 12 مليار متر مكعب”، وفقا للمسؤول نفسه.

وتعمل الحكومة التركية منذ سنوات على مشروع ضخم يسمى بمشروع “غاب”، والذي يتضمن بناء قرابة 22 سدا 14 منها على نهر الفرات و8 على نهر دجلة، والتي سوف يكون لها تأثير كبير على تخفيض نسب المياه التي تدخل إلى العراق وإقليم كردستان.كما بدأت إيران منذ العام الماضي في بناء أنفاق ومشاريع إروائية ضخمة لتغيير مجرى نهر سيروان، الذي يأتي 70 في المئة منه من الأراضي الإيرانية ويصب في بحيرة دربنديخان في محافظة السليمانية. وقد حذر خبراء عراقيون من أن مشاريع المياه الإيرانية والتركية ستتسبب في جفاف العديد من المحافظات العراقية.

جفاف تاريخي

12 مليار متر مكعب متوفرة حاليا في خزانات المياه والسدود  العراقية
12 مليار متر مكعب متوفرة حاليا في خزانات المياه والسدود  العراقية

تمثل الأهوار في العراق، التي تمتد عشرات الآلاف من الكيلومترات في جنوب البلاد، عاملا للتوازن البيئي ومصدر عيش للساكنين فيها. والأهوار عبارة عن مسطحات مائية كبيرة تنفرد بها البيئة العراقية وتشكلت من روافد نهري دجلة والفرات وعيون مياه طبيعية وتتميز بالتنوع البيئي.

ويؤكد جمعة الدراجي عضو الجمعية العراقية لإحياء وتطوير الأهوار، أن “الأمور وصلت الآن إلى درجة عدم الحصول على مياه كافية للشرب، لا للسكان ولا حتى للحيوانات”، مضيفا “لم يتبق سوى منخفضات وبرك ماء متناثرة”. ويشدد الدراجي على أن “الجفاف الحالي هو الأشد في تاريخ الأهوار”.

ويهدد شح المياه، على غرار محافظتي البصرة وذي قار، حيث تمتد مساحات واسعة من الأهوار، محافظات الديوانية والمثنى وميسان. ويسكن في تلك المحافظات الخمس ما يقارب 25 في المئة من سكان العراق ويعتمدون بصورة رئيسية على الزراعة.

ففي محافظة الديوانية التي تعد 7.500 كيلومتر مربع من الأراضي الزراعية، لا يمكن توفير مياه الري خلال الموسم الزراعي الصيفي المقبل سوى ما يغطي “أقل من 500 كليومتر مربع”، وفقا لمدير زراعة المحافظة صفاء الجنابي.

وتشير أم عقيل، وهي إحدى سيدات ناحية سومر الواقعة في شمال الديوانية، إلى أن ولدها عقيل فقد ذراعه خلال المعارك ضد داعش بالموصل شمال العراق. وتقول أم عقيل بأسى يملأ صوتها “ابني تطوع في الجيش، لأن الزراعة تدهورت، بسبب شح المياه”.

6