جلاد أم ضحية

السبت 2014/11/29

يترك الاعتداء الجنسي آثارا نفسية مدمرة على شخصية الطفل مع ما يصاحبها في العادة من سوء معاملة، فإذا كان الجلاد هو أقرب المقربين إلى هذه الكائن الصغير، فالاعتداء ينطوي على معان أكبر من ذلك فيها الكثير من الخذلان وخيانة الثقة والاستغلال السيئ للسلطة الأبوية.

هذه التجربة المريرة التي يمر بها بعض الأطفال لسوء حظهم، تخلف على جسد الضحية وروحها آلاما مبرحة وعنيفة لا تمحى آثارها بتقادم السنين، ليكبر هذا الطفل حتى يتحول إلى مراهق أو شاب عليل يصاحبه شعور مرير بالقهر والخوف المستتر، بسبب انتهاكات الماضي لحرمة جسده من قبل الآخرين وعجزه عن الدفاع عن نفسه في حينها والشعور بالخزي الذي يبقى يطارده كظله، في أشد لحظات حياته حلكة.

الشاب البريطاني الذي أنكر تهمة قتل والده وتمزيقه إلى قطع، للاحتفاظ بها داخل إطار طاولة استخدمها كمسند لجهاز التلفزيون، خرج عن صمته أخيرا واعترف بجرمه ودوافعه لارتكاب هذه الجريمة البشعة. ناثان روبنسون الطالب الجامعي الذي كان يخطط لنيل درجة الماجستير ولم يكمل العمل على أطروحته، غيّر مسار حياته كلياً في لحظة غضب وانهيار نفسي كامل، بعد أن عثر بالمصادفة على إعلان مخجل كشف له عن مهنة والدته الحقيقية وعملها بالدعارة، مرفقا مع رقم هاتفها الجوال.

وهكذا، استرجع روبنسون صورا ضبابية من الماضي البعيد كان قد احتفظ بها في دهاليز بعيدة من ذاكرته، لتطفو فوق السطح مرة أخرى بفعل الصدمة العنيفة التي تلقاها ذاك النهار.

وحين ذهب لمواجهة والده الذي كان السبب وراء امتهان الأم هذا العمل في الماضي، أنكر الأخير التهمة وتنصل منها كما انهار بإساءاته اللفظية مجدادا على رأس الولد المنهك، لكن إنكاره وادعاءاته السخيفة هي الذي دفعت بذكريات الطفولة التعيسة لتطفو على السطح مرة أخرى؛ تعرضه لسوء المعاملة مرارا وعلى يد والده هذا بالتحديد، تجاوزات غير أخلاقية، تهديدات، فظاعات، كلمات نابية واعتداءات جنسية لم يعد ناثان يذكر تواريخها بالضبط، كل ما يتذكره بأنها كانت في سنوات مراهقته المبكرة.

وكان الشاب إلى وقت قريب يتلقى علاجا نفسيا من أعراض قلق واكتئاب حاد، إضافة إلى اضطرابات نفسية متعددة ناجمة عن الإساءة التي تعرض لها في مرحلة الطفولة، وصفها الشاب لقاضي التحقيق بأنها كانت مروّعة ليس لحداثة سنه في حينها وليس بسبب الشعور بالقهر الذي تولده مثل هذه التجاوزات اللا إنسانية، بل لأنها صدرت من قبل والده الذي تحول في ضميره المعذب من كونه مصدر حماية إلى مرتع للخوف والقلق والاشمئزاز، ومنبع للحقد والكراهية.

فأي عاطفة يمكن أن تربط بين هذا (الأب) الوحش والإبن المنكوب؟ وكيف سيتمكن هذا الفتى من نسيان الماضي المقيت وهو يعيش حاضراً أشد قسوة؟ ولماذا يتعين عليه أن يتظاهر برباطة الجأش وفي داخله براكين غضب، تتناسل حممها يوميا كلما التقى بملامح أبويه؟

لم يستطع الابن المستباح إكمال فصول (مسرحية) السر الدفين، فعزم النية على تحرير أوصال خوفه واشمئزازه من الزنازين التي حُبست في داخلها سنوات وسنوات، فقرر كتم أنفاس الشر وتشويه ملامح القسوة أخيراً، انتقاما للطفل المكسور الجناح الذي بقي يبكي في داخله سنوات طويلة.

21