جلالي فرحاتي يفشي أسرار البشير الدامون في فيلم سينمائي

الجمعة 2014/07/11
الفيلم كتابة سينمائية لرواية أدبية بين دفتي كتاب صالحت بين الصورة والكلمة

الرباط - فيلم “سرير الأسرار” مأخوذ عن رواية للكاتب المغربي البشير الدامون، صدرت بالعنوان نفسه عن “دار الآداب” البيروتية سنة 2008، وهي الرواية الأولى للدامون، الذي يستعد لإصدار راويته الثالثة، قريبا بعنوان “هديل سيدة حرة”، عن المركز الثقافي العربي، الذي أصدر له سنة 2011 روايته الثانية “أرض المدامع”.

في فيلم “سرير الأسرار”، يفشي المخرج المغربي جلالي فرحاتي أسرار البشير الدامون، سينمائيا، وهو يعلن عن تصالح بين الرواية والسينما في المغرب.

منذ المشهد الأول، تكشف كاميرا جلالي فرحاتي عن أول وأكبر أسرار البشير الدامون، حينما تفصح عن مشهد بانورامي لمدينة تطوان، ناصعة البياض، في جمال جبال شمال المغرب. وهي التي يطلق عليها المغاربة اسم “الحمامة البيضاء”، المدينة التي تحتضن وقائع وعوالم رواية الدامون.

في هذا المشهد البانورامي، تبدو المدينة، التي يكسوها الجير بحلة بيضاء تثير الناظرين، وهي تخفي أسرارا كثيرة، وبقعا سوداء وندوبا وآلاما مختلفة ألوانها. ثم تتسلل الكاميرا من نافذة المستشفى، لتكشف عن جثة يكفنها البياض هي الأخرى، ليكشف الكفن بعدها عن وجه “ماما الزاهية”، التي توفيت في السجن.

حينها تفيض أعين ابنتها وفاء بالدمع، لفقدان أمّها، فلم تعد تملك منها غير الذكريات. هنا، صارت وفاء وفية لذكرياتها، ذلك لأن التذكر، كما النسيان، شكل من أشكال المقاومة، يقول كونديرا. تتذكر وفاء، وتتذكر الكاميرا، لأن التذكر هو القادر عن مواجهة الموت، فهو ملكة روحية، يقول واطسون، ومعه تنبعث الروح من جديد.

هكذا، تقترح علينا وفاء، وهي الشابة التي تدير “ملجأ خيريا”، اللجوء إلى ذاكرتها من أجل استعادة حياتها في “الدار الكبيرة”، التي أدارتها “ماما الزاهية” بجمال وافتتان واقتدار، وجعلت من بيوتاتها ومحلاتها فضاءات للمتعة الجنسية، حيث تستقدم فيه “الباغيات” زبائنهن، قبل أن ينصرف كل إلى حاله، وقد جنى اللذة وأدّى الثمن.

وقد كان المخرج بدوره وفيا للرواية، التي جرى فيها السرد على إيقاع “الفلاش باك”، حيث تبدأ الرواية على لسان وفاء بعبارة: “أن تنسى، مهمة صعبة الإتقان. صور ضبابية تنتشر مشتتة في ذاكرتي”.

سكان المدينة هم سكان مقبرتها، عما قريب أو آجلا، وفي هذا التباس بين حياة مشكوك فيها، وموت لا شك فيه

وكذلك قدّم لنا الفيلم رواية الدامون، من خلال صور صامتة في الغالب، وهادئة أيضا، مع اقتصاد في الحوار والقول، ما دامت الرواية قد تكفلت بذلك من قبل. بينما أعادت كاميرا فرحاتي سرد الرواية واستعادة عوالمها، عبر الصور الكبيرة، التي تلتقط ما أمكن من تفاصيل وعناصر تحكى في صمت.

وهو “صمت مريح”، كما تقول الممثلة فاطمة الزهراء بناصر، التي أدّت دور البطولة بتقمّص شخصية “ماما الزاهية”، مضيفة، في شهادة حول تجربتها مع جلالي فرحاتي أن اشتغالها في هذا الفيلم قد منحها إضافة فنية وإنسانية، لتقدم لنا ما يمكن أن نسميه “جمال الألم”.

تحويل العمل الروائي إلى فيلم سينمائي ليس مجرد عملية تحويل للمادة المكتوبة إلى مادة مصورة، كما يؤكد المخرج الجلالي فرحاتي، في لقاء مع “العرب”، بل إن عملية التحويل هي بمثابة قراءة خاصة وتأويل للعمل الروائي.

ويضيف فرحاتي أن: “تحويل رواية إلى فيلم سينمائي ليس مجرد نسخ بصري للنص الروائي”. فكرة تذكرنا بما أورده إدغار موران في مستهل كتابه “نجوم السينما” من أن: “آلة التصوير التي كانت غايتها نسخ الواقع سرعان ما انصرفت إلى فبركة الأحلام”.

ومن هنا، تخلى فيلم “سرير الأسرار” عن مشاهد روائية طويلة جرت وقائعها في فضاء القرية، وكثف المخرج علاقة الفيلم بفضاء المدينة، ما بين الصورة البانورامية للمدينة وفضاء الدار الكبيرة، وفضاء المقبرة، ما بين حياة وموت.

ومن جهة أخرى، أضاف المخرج شخصيتين لا وجود لهما في الرواية، الفنان التشكيلي الذي يقيم في بيت من بيوتات الدار الكبيرة، وقد أدّى الدور المخرج نفسه، كما عودنا في جل أعماله السينمائية، وشخصية الإسباني “الروخو”، وهو شخص مقعد، نصادفه في فضاء المقبرة، لأنه كذلك ما بين حياة وموت.

وقد أضفى حديثه بالإسبانية تنوعا لغويا على صوت الفيلم السينمائي، وربط صوت الفيلم بصورته وفضائه “تطوان”، التي كانت خاضعة للحماية الإسبانية، إلى غاية خمسينات القرن الماضي.

ويفسر فرحاتي هذا الاختيار الجمالي بالتأكيد على أن مهمة المخرج السينمائي هي منح نفس جديد للعمل الروائي. والحق أن هذه الإضافات فاجأت الروائي المغربي البشير الدامون، كما يؤكد في حديث لـ”العرب”، وخاصة شخصية الرسام، منوها بالطريقة التي قدم بها فرحاتي روايته إلى السينما.

ويرى الدامون أن هذه التجربة التي عاشها مع فرحاتي شكلت تصالحا بين الرواية والسينما في المغرب، مشيرا إلى أن استجابته لرغبة المخرج فرحاتي في الاشتغال على روايته، هي لكون فرحاتي سينمائيا يهتم بالمكلومين في المجتمع، وبآلامهم وانكساراتهم. يمكن القول إن عوالم البشير الدامون في “سرير الأسرار” كانت عوالم سردية بلغة روائية، فجاءت كاميرا المخرج جلالي فرحاتي لتجعل منها عوالم سينمائية، منقولة بلغة شاعرية، من خلال منح الفضاء السينمائي زمنية فنية، عبر الاشتغال على الذاكرة، منذ المشهد الأول.

16