جلال أمين مفكر موسوعي يفضح "التنوير المصري الزائف"

الثلاثاء 2017/11/21
باحث عن الهوية يحصد جائزة السلطان قابوس

القاهرة – أعلن مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم الأسبوع الماضي أسماء الفائزين بجائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب في دورتها السادسة. وقد تأسست الجائزة عام 2011 على أن يتم منحها بالتناوب بحيث تكون تقديرية في عام يتنافس فيها العمانيون إلى جانب أشقائهم العرب وفي عام آخر للعمانيين فقط لتكون مؤشرا للحالة الثقافية والفنية والأدبية على المستويين المحلي والعربي. وقد فاز بالجائزة في مجال الدراسات الاقتصادية المصري جلال أمين وفي مجال النقد الأدبي السعودي سعد بن عبدالرحمن البازعي.

أمين الذي يبدو تفكيره أشبه بمسح اجتماعي وثقافيّ واقتصادي لكافة المتغيرات. يتبع أسلوب الصدمة في جسارة يُحسد عليها. على الرغم من كافة التقارير الصادرة عن مراكز بحثية معتمدة تقول “إن كل شيء على ما يرام”. جاء وقال لا. بل لم يكتف بقول لا. لقد نكأ جرح الواقع المتردي وصاح بصوت عالٍ قائلاً: المجتمع المصري في تراجع وتأخّر على الرغم من اختلاف السياقات وتناقضها عن تلك الفترة المهمّة من خمسينات وستينات القرن الماضي.

ماذا حدث للمصريين

عندما أصدر كتابه “ماذا حدث للمصريين؟” في نهاية التسعينات من القرن الماضي، يتذكر المصريون ذلك الاستقبال الحافل والصاخب في آنٍ معا الذي حظي به الكتاب، لما أثاره الكتاب من سجال مجتمعي عن حقائق كُنَّا لا نريد أنْ يواجهنا بها أحد. كان الكتاب بمثابة الحدث المهمّ من عدة زوايا؛ فالكتاب كان يعدُّ أوّل كتاب يتطرق للتحولات التي حدثت في الشخصية المصرية خلال خمسة عقود شهدت تحولات سياسية واجتماعية عميقة وواسعة. علاوة على أنه صادر من تحت مشرط جرَّاح في صورة عالم اقتصاد.

الأهمية الحقيقية للكتاب في ذلك التوقيت أنه كشف في وقت مبكّر غياب مشروع التنوير، أو ما وصفه أمين بالتنوير الزائف “لأننا لم نقتصر على أخذ الجيّد منه، بل أخذنا الجيّد والسيء معًا، والحقيقة أنّ أي مجتمع يمكن أن يتنوّر من دون أن يفقد نفسه، وأظن أن ما حدث كان فقدانا للنفس أكثر منه تنويرا!” ومن ثمّ كان لا بدّ من الصدمة لتعيد الحياة إلى توازناتها. لكن تفاقمت الأوضاع ووصلت إلى الأسوأ خاصة بعد أحداث يناير 2011، والردّة التي صار عليها المجتمع، علاوة على التراجعات في مجالات عدة كالتعليم والصحة والاقتصاد وأيضا الذوق.. إلخ، وهي الأشياء التي نبّه إلى وشك انهيارها، لكن لم يلتفت أحد، فحدثت الكارثة.

ينتمي أمين إلى عائلة علميّة وثقافيّة من الطراز الأوَّل، فوالده هو المُفكر الكبير أحمد أمين، القاضي الشرعي، والأديب المؤرخ. وكان “جلال” الأصغر ضمن سبعة من الإخوة والأخوات، الذين نبغوا، كلٌّ في مجاله.

ولد أمين عام 1935. ثم تخرّج في كليّة الحقوق في جامعة القاهرة، كما حصل على دبلوم الاقتصاد، ودبلوم القانون العام. وبعد أن أنجز الدكتوراه، درَّس الاقتصاد بكلية الحقوق في جامعة عين شمس، ثم عمل مستشارا اقتصاديّا للصندوق الكويتي للتنمية، ثم انتقل إلى كاليفورنيا كأستاذ زائر للاقتصاد في جامعتها.

عودة جورج أورويل

في كتابه الجديد الذي صدر مؤخَّرًا بعنوان “تجديد جورج أورويل” يُقدّم أمين رسائل غاية في الأهمية فيقول من المفيد، بل من الضروري “تجديد جورج أورويل، أي تتبع ما جدَّ من تطوّرات في طبقة المُمسكين بالسُّلْطَة الذين يُمارسون القهر في العالم، والأسباب التي أدّت إلى هذه التطورات، ونوع الرَّسائل التي يُرسلها أصحاب السُّلطة الجُدد إلى الناس من قبيل غسيل المخ. فإن ما طرأ مِن تطوُّر لا يقتصر على أساليب الكذب، بل يُطال أيضًا مضمون الكلام الكاذب، كما يظهر كيف أن القهر النفسي، بإثارة الشهوات والرغبات التي يَصُعب أو يستحيل إشباعها، حلّ محل الحرمان من الأجر العادل والتعذيب المادي، وكيف تغيّرت، تبعًا لذلك طبيعة شعور المرء بالاغتراب، وما ضاع منه وما تبقى له من وسائل لمقاومة الأنواع المختلفة من القهر”.

يشير أمين إلى كيفية وصولنا إلى هذه الحالة، وكيف تمّ التلاعب بالعالم عبر “نظريات مؤامرة” غير مُحدّدة الأطراف، وعبر إنكار النظرية أيضًا، وكيف استغلت الشركات الكبرى وسائل الإعلام للسيطرة على المواطنين وتحريكهم كَدُمَى، حتى أصبحوا أكثر ولاءً لها من أوطانهم التي يعيشون في كنفها. كما يفسّر كيف تغيّرت فكرة الوطن، وكيف تحقّقت الغربة داخله، وكيف تتلاعب القوى الكبرى بالجميع، بطرق ووسائل جديدة تمامًا، في مسرحية عبثية مجهولة المؤلف.

أمين يخشى من قهر التكنولوجيا للإنسان، حتى أنه لا يرى في رواية جورج أورويل "1948" ما رآه الكثيرون من أنها احتجاج على الدولة الديكتاتورية، لكنها بالحقيقة احتجاج على قهر التكنولوجيا الحديثة للإنسان. ويقول إن لأورويل رواية غير مشهورة مثل كتابيه “1984 ومزرعة الحيوانات” بعنوان “الصعود لاستنشاق الهواء” يتحدّث فيها عن موقفه المضاد لسيطرة التكنولوجيا الحديثة.

دراسة المجتمع المصري لا تفارق جلال أمين وهو يتحدث عن شخصيات مثل ماكيافيللي ومارغريت تاتشر وتوماس فريدمان وأنور السادات وحسني مبارك وعثمان أحمد عثمان، وأم كلثوم وعبدالوهاب وآخرين

مصر والعالم

نشر ما يقارب الأربعين مؤلفًا في الاقتصاد والسياسة والتاريخ الاقتصادي المعاصر، وتُرجم له أكثر من عشرة عناوين إلى الإنكليزية. كما ترجم عددًا من الكتب في مجال الاقتصاد إلى العربية. من أشهر كتبه “قصة الاقتصاد المصري” وقدّم فيه أمين تأريخًا للاقتصاد المصري منذ عهد محمد علي بداية القرن التاسع عشر، ومرورًا بأبنائه، ثم ممارسات الاحتلال الإنكليزي، ثم مرحلة الثورة عبر عهدي عبدالناصر والسادات، وانتهاء بعهد مبارك. يربط أمين بين إرادة الحاكم والتنمية، فيقول”إن الإرادات كانت مختلفة من حاكم إلى آخر في الاستجابة للضغوط الخارجية أو إشكالية التعايش مع هذه السيطرة، سواء عبر قبولها أو السعي إليها، إلا أن من قبلوا هذه السيطرة وحاولوا التخلّص منها كانت حياتهم أو سلطتهم هي الثمن المقابل لذلك”. لكن المفارقة التي يخلص لها أمين، تتمثل في أن كافة العهود منذ أبناء محمد علي وحتى مبارك، باستثناء عهد عبدالناصر، لم تستفد مصر من الظروف الخارجية التي شُغلت فيها القوى الخارجية بنفسها لكي تعيد بناء اقتصادها بشكل صحيح، سواء على مستوى البنى الهيكلية، أو إدارة الموارد المحلية النقدية بشكل سليم. وإن كان يشير إلى حذر مبارك في التوسع في مسألة الدين الخارجي.

يعيب أمين على فترة السبعينات من القرن الماضي التي شهدت فترة رواج اقتصادي غير معهود، أن ما حدث فيها، في الحقيقة، لم يكن يعني تقدمًا اقتصاديًا. ومع أواخر الثمانينات لم يعد المناخ ملائمًا لظهور فرص الاستثمار وهو ما كان عائقًا جديدًا في زيادة فرص التضخم علاوة على ما أحدثته حرب الخليج من كساد بعد هجرة العمالة المصرية وعودتها ثانية إلى مصر.

ومع بداية التسعينات من القرن الماضي حسب وصفه “ساد قنوط عام في مجال الاستثمار”، ومن هنا يصل إلى نتيجة مفادها أن الإرهاب ليس هو العدو الوحيد، فتعطُّل عجلة الإنتاج وضعف دخول الاقتصاد الخاص والعام في مشاريع ربحيّة هما أيضًا بمثابة العدو الذي لا يقلّ خطرا عن الإرهاب في تعطيل التنمية. ومن ثمّ يرى لا بدّ من العودة إلى العمل في ميدان السباق نفسه. ففي ظل التراجع في معدلات السياحة فالتقدّم الصناعي لن يعود إلا ببناء مصانع جديدة وتشغيل المتوقف منها. وهو يرى أن الحديث المتكرِّر عن الإرهاب يؤثِّرُ بالسَّلب على الاستثمار، فمن وجهة نظره أن مصر أكثر أمنًا من دول عربية كثيرة. كما للرجل رؤية حول خروج مصر من أزمتها التي لا يرجعها للسياسة فقط، ويجمل هذه الرؤية في ثلاث نقاط هي: أوّل شيء أن تكون لنا رؤية اقتصادية و“نصحى من النوم”، نجد وزراء مسؤولين عن الاقتصاد والتخطيط لديهم رؤية، وثانيًا: هذه الرؤية لا بدّ أن تكون قائمة على الاعتماد على الداخل أكثر من الخارج، وثالثًا: نضع خطة لتوفير الموارد الداخلية، وأخيرًا نعود لعهد التخطيط.

اهتمامات أمين في الاقتصاد لم تَحُلْ دون وقفاته المهمِّة في كتابات حملت صبغة أدبية على نحو ما فعل في كتاب “شخصيات لها تاريخ” حيث يعيد قراءة شخصيات متنوعة من التاريخ؛ أدبية وسياسية وفنيّة كشخصيات: ماكيافيللي ومارغريت تاتشر وتوماس فريدمان وأنور السادات وحسني مبارك وعثمان أحمد عثمان، وأم كلثوم وعبدالوهاب وآخرين. فدراسة المجتمع المصري لا تفارقه وهو يتحدث عن هذه الشخصيات، فهو يرى أنها صالحة لتحليل المناخ الاجتماعي والسياسي الذي لعبت فيه هذه الشخصيات دورها. ومن ثم يزول العجب في مقالته عن شخصية تحيّة كاريوكا، التي أثارت من قبل – أيضًا- إدوارد سعيد وكتب عنها في كتابه “تأملات في المنفى” مقالة ضافية بعنوان “تحيّة إلى راقصة”.

جلال أمين يخشى من قهر التكنولوجيا للإنسان، حتى أنه لا يرى في رواية جورج أورويل “1948” ما رآه الكثيرون من أنها احتجاج على الدولة الدكتاتورية، لكنها بالحقيقة احتجاج على قهر التكنولوجيا الحديثة للإنسان

الراقصة والمفكر

إذا كان سعيد تناول شخصية تحيّة من باب الانبهار وإن جاء في سياق ثقافي، إلا أن أمين جعل من الشخصية أشبه بنموذجِ حالة لقياس التغيُّرات التي حلّت على المصريين في خلال ثمانين عاما. فهو لا ينظر إلى تحيّة على أنها مجرد راقصة أو فنانة أدّت بعض الأدوار الناجحة، وإنما ينظر لها على أنها صورة من الوجدان الشعبي وفي اندماجه مع الهُويّة المصرية التي تعرّضت مع الأسف للتغريب؛ فتحيّة نموذج من أكثر النماذج تعبيرًا عن تقلبات الهوية المصرية خاصّة في انقساماتها وهو ما ظهرت عليه في الشطر الأخير من حياتها. ومن ثمّ يستعرض في مقالته دور تحيّة النضالي على المستوى السياسي كما فعلت أثناء العدوان الثلاثي، أو على خشبة المسرح وأعمالها السينمائية التي كانت تقدّم صورة لحالة الغليان السياسي. ويشير إلى مواقفها المُشرِّفة في الدفاع عن مصر كما حدث في مهرجان كان. لكن التطوّر الخطير هو ما انتهى إليه مصيرها بعد تقدمها في السن وإرتدائها الحجاب، وحالة التقرب من الله لدرجة أنها عندما سُئِلت قبل وفاتها، لو قُدِّر لها أن تعيش تبدأ حياة من جديد؟ فهل تعيشنها كما عشتها من قبل، فكان جوابها فارقًا فقال: بصراحة لا، أعيشها كما أعيشها الآن، إني أشعر بسعادة كبيرة في التقرب من الله”.

كتب أمين كتابات متعدِّدة، حتى أن الأكاديمي سعدالدين إبراهيم يصفه بأنه “مفكِّر موسوعي ضلَّ الطريق إلى الاقتصاد”. له في السيرة الذاتية كتابات مائزة منها “ماذا علمتني الحياة؟” و”رحيق العمر” اللذان أتبعهما بكتاب “مكتوب على الجبين: حكايات على هامش السيرة”، في هذه الكتب لا يقف عند منظور السيرة القارّ وإنما يتخذ من سيرته وسيرة عائلته مدخلاً لدراسة الواقع بصورة واسعة، فلا يقصرها على الجوانب الشخصية في حياته أو حياة عائلته وإنما يعتبر الحوادث التي مرت عليهم بمثابة نقاط مهمة تساعده في ملاحظة التغيرات التي طالت كل شيء في المجتمع.

اللافت أن صورة والده تحتلّ مساحة واسعة في كتاباته، فهو دائم الحديث عنه سواء بصفته أحد روّاد النهضة في العصر الحديث، وتارة بوصفه الأب المعلّم الذي ترك أثرًا فيه كثيرًا، وتارة لنا يُقدِّم الأب الذي كان يريد من الأطفال اثنيْن، فوجد نفسه أمام عشرة أبناء. الإلحاح في استدعاء صورة الأب يمكن تفسيره كنوع من الإسقاط على المجتمع الذي يرى أمين أن غياب المشروع القوميّ والتنويريّ أحد أهم الأسباب التي آلت إلى الصُّورة المتداعية الآن، خاصة بعدما فشلت العولمة في نشر الثقافة، وإن نجحت في نشر القهر.

ربما استطعنا إدارك ما فات، كما يرى أمين، وإن كان صعبا، إلا أن الأمل ما زال موجودًا، المهم توفُّر النيّات المُخلِصة للعمل من أجل التحرُّر من عبودية وهيمنة التبعية للآخر.

13