جلال الأحمدي: كيف لأحدهم أن يحب الأرض ويكره الإنسان

أصدر مؤخرا الشاعر اليمني جلال الأحمدي مجموعته الأخيرة “درج البيت يصعد وحيدا” عن دار مسعى البحرينية. وتأتي هذه المجموعة بعد ثلاث مجموعات شعرية جاءت على التوالي منذ 2011، كان أولها “شجرة للندم أو أكثر” عن دار أروقة بالقاهرة، ثم مجموعة “لا يمكنني البكاء مع أحد” عن دار مدارك الإماراتية 2012، ثم “أن أخرج الغابة من صدري” عن دار ميم بالجزائر عام 2013. استوقفنا ثراء تجربة الشاعر، فكان لنا معه هذا الحوار حول عوالم كتاباته وتجربته الشعرية.
الأربعاء 2015/09/16
الشاعر عاش بين اليمن والسعودية محروما من الانتماء إلى وطن

خلال أربعة أعوام أصدر الشاعر اليمني جلال الأحمدي أربع مجموعات شعرية، وشارك في كتابات متفرقة ترجم بعضها إلى لغات عالمية، كما شارك في أنطولوجيا عن العالم العربي باللغة العربية والبولندية والفرنسية والفارسية.

نال الأحمدي جائزة الدولة في اليمن في مجال الشعر لعام 2011، وجائزة الشاعر عبدالعزيز المقالح في مجال الشعر 2014. كما شارك في عدد من الأمسيات والمهرجانات العربية في سوريا ولبنان والأردن ومصر والسعودية والسودان والبحرين واليمن والجزائر.

حول التجربة

يؤكد الأحمدي في حواره مع “العرب” على أن هناك تحولات في تجربته الشعرية منذ إصداره الأول على مستوى الأسلوب والفكرة وطريقة المعالجة وزاوية الرؤية حتّى في طريقة النّظر إلى النّص بعد الكتابة. يقول “بالنسبة إلي أعتقد أنّ تجربتي ما تزال في طور النضوج وهذا أمر يبعث على الطمأنينة في داخلي، ربّما تكون الأسئلة ذاتها لكنها الآن أكثر شمولية وأشدّ وقعا، كما أنّني لم أعد أحفل بالإجابات كما كنت بالسّابق، كما أنّه ليس مهما بالنسبة إلي من منا يبحث عن الآخر..أنا أم الأسئلة”.

نص جلال الأحمدي مسكون بالوجع والحب والخذلان. ويرى بعض القراء أنّ تجربة الأحمدي هي جزء من قدر الشعراء المرهون بالحزن الدائم. غير أن جلال يذهب برؤيته الشعرية بعيدا عن هذه الجاهزات الباردة، يقول: يعتقد الكثيرون أنّ هذا سؤال وجودي فيذهبون بعيدا في الإجابات والتنظير والفلسفة، بالنسبة إلي فإنّ لا علاقة للقدر بما أفعله، أحيانا أشعر أنّ لا علاقة لي بنفسي ربمّا أكون أكثر من شخصٍ في الوقت نفسه وربمّا أقل. أكتب كشاعر، وأفكّر في الأشياء كطفل، وأعيش الأمور كمهرجٍ، وأتحدّث مع الآخرين كعجوز. وعلى النصّ أن يحتمل كل هذا وأكثر.

نص للشاعر جلال الأحمدي:
لا أعرف ما هو الوقت

هل عليّ أن أعرف؟

ما الفرق إن قلت لكِ التقيتكِ الساعة الماضية؟

أو الحديقة الماضية؟

أو الضّحكة الماضية؟

الساعة ستتوقّف

كما أنّ الحديقة ستموت

والضّحكة تنسى.

يجب أن أقول “أحبّكِ”

الآن.. لأنّني قليلا ما أعثر على الكلمات

في الوقت المناسب.

قليلا ما أفتح فمي

دون أن يكون ذلك من أجل..

إطلاق صرخة

أو افتراس ندم.

قليلا ما أمدّ يدي بسعادة

خارج قانون الغابة.

قليلا ما أغمض عيني

فأجدني دون قفص في الدّاخل.

ولأنّني تعب

وأبالغ في تصديق كدماتي

قليلا ما أحبّ

كثيرا ما أخاف.

يحاول الأحمدي أن يشكّل العالم تحت مظلة الوعي الوجودي العميق حيال الكائنات البسيطة التي تسكننا ونسكنها، فالأفكار العابرة لا تمرّ في نصه عادية، بل تخرج بلبوس وجودي عميق. يعلّق الأحمدي على ذلك قائلا: النّص بالأصل عبارة عن علامة استفهام لا تحفل بإجابة، ولا تتوقف عند نقطة، أستطيع أن أتنفس إذا أستطيع أن أفكّر. ثمّ إنّه لا يوجد في هذه الحياة أمر تافه مهم بلغ من الصّغر. كما أنّه لا وجود لأمر مهم أو حقيقي، أفكّر أحيانا أنّ كلّ هذا الوجود ما هو إلا فكرة نعايشها داخل حلم أحدهم أو مخيلته.

جلال الأحمدي من مواليد مدينة تبوك بالسعودية عام 1986، ولم يزر اليمن طيلة حياته سوى تسع مرات فقط، كان من بين تلك المرات زيارتان أقام فيهما قليلا في وطنه الأم، لكنه ما لبث أن غادر اليمن من جديد باحثا عن الحياة وعن الإنسان حتى استقرّ مؤخرا في بيروت. توقفنا معه حول الوطن وهويته، وكيف تحضر أو تغيب المفاهيم المتعلقة بالوطن لديه. وتساءلنا معه: أليس هنالك أزمة عميقة، أن تكون في وطنين كالغريب، إما غربة الحياة، أو غربة السجلات المدنية؟.

يجيب ضيفنا “حرمت من الإحساس بالانتماء إلى أرض ما منذ الولادة، أو لعلني ولدت بهذه النعمة، أعتقد أنّ الفائدة الأكبر التي خرجت بها من هذه التجربة هو أنّني قادر على التّكيف في أي مكان وأي زمان، علاقتي بالأشياء التي تخصني والناس أكبر وأهم من أي علاقة أخرى. أستطيع أن أحب وأن أكون محبوبا وهذا أكثر من منصف لي، كما أنّني أكره التعصب لأرضٍ أو طائفة أو مقدس بل وأمقته بشدة. لا يمكنني أن أفهم كيف لأحدهم أن يحبّ الأرض ويكره الإنسان؟! هناك مشكلة في مفهوم الحبّ لدى الغالبية فالحبّ شعور مطلق بلا قيد أو شرط لا يمكن تجزئته أو أخذ بعضه دون الآخر!”.

بين السعودية واليمن

عن علاقته بالمشهدين الثقافيين السعودي واليمني يقول الأحمدي: كان تعارفي الأول بالوسط الثقافي السعودي في ملتقى مدد في دمشق 2009، حيث التقيت بالشعراء محمد خضر وإبراهيم زولي والفنان التشكيلي أيمن يسري، لكن لم يثمر عن هذا اللقاء سوى عن علاقة شخصية، ولأنّني كنت أقيم في تبوك فقد حرمت من أن أكتشف أو أكشف دواخل هذا الوسط خصوصا وأنّ نادي أدبي تبوك لم يمنحني أي فرصة لأشارك معه أو أكون عضوا فاعلا فيه، ناهيك عن الجريمة التي وقعت على مجموعتي “لا يمكنني البكاء مع أحد”، والذي نفّذها أدبي تبوك بالتعاون مع مدارك للنشر، وللأسف لم يكن هناك أي تفاعل حقيقي أو مشاركة ملموسة لي في هذا الوسط الثقافي إلا مؤخرا تحديدا من نهاية 2012، في ملتقى سين بجدة حيث التقيت بالشاعر عيد الخميسي والقاص عبدالله العقباني والكاتب محمد العباس الذي يعتبر أوّل من تحدّث عن تجربتي وانتقد أدبي تبوك على تقصيره وتجاهله.

يواصل حديثه: في العام نفسه التقيت بالشاعر عبدالله العثمان وهو من التجارب الشابة الجديدة التي أحبّها، ثمّ عن طريق “الفيس بوك” والذي تعرّفت على الكثيرين من خلاله كان أولهم عبدالله السفر، ورغم عدم وجود أي تواصل أو معرفة فيما بيننا كتب عن تجربتي بطريقة جميلة أعطتني بعض الأمل ودفعتني للبحث والاستكشاف عن المشهد الثقافي في المنطقة الشرقية ومن خلال هذا البحث تعرفت على تجارب أحببتها مثل أحمد الملا، محمد الحرز، أما عن زكي الصدير وحسين آل دهيم كنت قد عرفت تجربتهما مسبقا في منتدى مدد وتابعتهما بشغف ودهشة.. وأصبحت تربطني بهم جميعا صلة حميمية خاصة.

وعن علاقته بالمشهد الثقافي اليمني يحدثنا ضيفنا قائلا: أما عن الوسط الثقافي في اليمن فلا تربطني به أي علاقة رغم أنّني قضيت فيه قرابة ثماني سنوات، باستثناء علاقاتي الشخصية مع بعض الأدباء والمبدعين هناك والتي ذهبت مع البعض إلى حدود أن أعتبرهم أفرادا من العائلة مثل أحمد العرامي ومحمد البكري ونبيل سبيع وزين العابدين الضبيبي وهم شعراء متميزين كل في مجاله وعلى طريقته، وهناك علوان الجيلاني الأستاذ والباحث والمهتم بالموسيقى والتراث والأدب والذي أكن له كل الاحترام والحب. وبعيدا عن الأدب والثقافة هناك شخصيات سواء في اليمن أو في السعودية وقفت إلى جانبي وساندتني وآمنت بتجربتي بل ودفعتني إلى هذا الجحيم الذي أحبّ وأكره.

15