جلال التليلي: التغطية العفوية لوسائل الإعلام تخدم أجندات التنظيمات الإرهابية

الباحث التونسي يؤكد لـ"العرب" أن الإرهاب يفرض التفاوض مع الرأي العام والسلطة السياسية عبر نوعية التغطية الإعلامية.
الخميس 2020/11/12
العمليات الإرهابية لا تتوقف

بالرغم من مرور عقود والعالم يواجه الإرهاب غير أن المقاربات الإعلامية لطرح هذه الظاهرة وأحداثها لا تزال محل انتقادات واسعة خاصة في الآونة الأخيرة التي سجّلت حوادث إرهابية في أكثر من منطقة. وفي هذا الصدد صدر مؤخرا كتاب “إرهاب يُعلم.. وإعلام يُرهب” للباحث التونسي جلال التليلي الذي حاول من خلاله شرح التقاطعات بين ما هو إعلامي وديني وسياسي في تونس خلال عشرية ما بعد ثورة 14 يناير 2011.

تونس – أثار كتاب صدر في تونس قبل أسابيع تحت عنوان ’’إرهاب يُعلم.. وإعلام يُرهب‘‘ اهتماما محليا لافتا خاصة أنه يأتي في وقت ما انفكت فيه آفة التطرف تتمدد بالرغم من تلقي الجماعات الجهادية سواء في تونس أو خارجها ضربات قاصمة.

وفي حديث لـ “العرب” يؤكد جلال التليلي مؤلف هذا الكتاب وهو باحث في علم الاجتماع السياسي ويدرس في جامعات تونسية أن الإرهاب عادة ما ينجح في فرض التفاوض مع الرأي العام والسلطة من خلال حضوره في التغطية الإعلامية للحوادث الإرهابية.

ويُضيف التليلي أن تونس عجزت عن وضع مسارات أخرى لمكافحة الظاهرة (الإرهاب) فاقتصر الأمر على المسارات الأمنية، فيما تم تهميش المسارات الأخرى على غرار المسارات التربوية والتنشيئية والثقافية.

ومن أبرز مؤلفات التليلي وهي في شكل دراسات سوسيولوجية؛ ’’الإعلام والتنمية الجهوية (المحلية) في تونس: الأنماط التنموية وأهدافها في الصحافة المكتوبة‘‘، “الصحافة والأيديولوجيا التنموية تحت النظام التسلطي” وغيرها.

“إرهاب يُعْلِمْ.. إعلام يُرْهب” عنوان يُثير الفضول كما الاستغراب لدى القراء حتى قبل تصفح الكتاب. لماذا هذا العنوان بالذات في هذه المرحلة بالذات خاصة وأن هناك العديد من الكتب التي تتعرض لمشاكل الإعلام وكذلك للظاهرة الإرهابية والعلاقة بينهما؟

“إرهاب يُعْلِمْ.. إعلام يُرْهب” عنوان يُثير الفضول كما الاستغراب لدى القراء حتى قبل تصفح الكتاب
“إرهاب يُعْلِمْ.. إعلام يُرْهب” عنوان يُثير الفضول كما الاستغراب لدى القراء حتى قبل تصفح الكتاب

لقد تم اختيار العنوان ليعبّر عن طبيعة الفعل الإرهابي بوصفه فعلا إعلاميا واتصاليا قبل أن يكون فعلا حربيا، لأن الإرهاب لا يهدف إلى قتل أكبر عدد ممكن من الضحايا بقدر ما يهدف إلى إعلام أكبر عدد ممكن من الأفراد مستهدفا ترهيب المعارضين له من ناحية والبحث عن نصرة المتعاطفين معه وتجنيد المتحمسين إلى جانب التأثير في ثقة الرأي العام بقدرة مؤسسات الدولة الأمنية والسياسية على توفير الحماية للمواطنين. أما الإعلام فقد يتحول إلى إعادة إنتاج هذا الخطاب الإرهابي عندما يسقط إما في فخّ تضخيم الظاهرة الإرهابية وتهويلها أو في التقليل من أهميتها وتبريرها ثم التطبيع معها بوصفها قضاء مقدرا أو في المقايضة بقبول الأمر الواقع وأهون الشرور. وهي إشكالية مطروحة على المستوى الوطني والإقليمي كما على المستوى العالمي في مستوى هذا “الإرهاب الذي أصبح ذا طبيعة فرجوية” على شاكلة الإخراج السينمائي. لا ننسى أن الإعلام هو صناعة تحويلية هدفها الاستئثار بأعلى نسب من المستهلكين لها من أجل الترفيع في عائدات الإشهار حسب القاعدة المعروفة بالارتباط التناسبي لسعر الومضات بنسب المتابعة، وهو ما يدفع الفاعل الصحافي لاستخدام كل التقنيات والوسائل لجلب المتابعين بما فيها التضخيم والإثارة والسبق وغيرها.

هل الإشكال اليوم في تغطية وسائل الإعلام للحوادث الإرهابية وشرحها للظاهرة أم هناك خطأ آخر وقعت فيه هذه الوسائل؟

المسألة لا تتعلق بالأخطاء بقدر ما تتعلق بالمقاربة الإعلامية لدور الصحافي وبالوظائف التوسطية للإعلام والصحافة خلال الأزمات والمنعرجات الكبرى (..) فقد تبين لنا من خلال متابعة التغطية الإعلامية طيلة سنوات عديدة أن الإعلام في تونس قد اتبع استراتيجيتيْن اثنتين في التعاطي مع الأحداث الإرهابية: الأولى تضخيمية في توصيفها وتحليل أسبابها وتوقع  آثارها ظنا من عدة فاعلين صحافيين أن ذلك يساهم في مقاومتها والحدّ منها وذلك نتيجة لنوع من العفوية الصحافية ونقص التجربة مع هذا النوع من الأحداث، بالإضافة إلى عدم التخصص في القضايا الأمنية والإرهابية ومحدودية الصحافة الاستقصائية. الاستراتيجية الثانية لبعض الفاعلين الصحافيين كانت على العكس تبسيطية تطبيعية وترجعها إلى المؤامرات الخارجية والداخلية، وذلك بدوافع سياسية وأيديولوجية للاستفادة من الظاهرة الإرهابية لصالح القوى المحافظة ومقايضة الرأي العام للحد من الحريات والتنازل عن المكتسبات الحداثية، وفي كلا الحالتين كانت الاستراتيجية الإرهابية هي المستفيدة من ممارسة ما يسمى “الدعاية بالحدث” سواء بالإدانة أو بالإشادة.

لكن وبصفة عامة الخطاب الإعلامي له مميزاته ولكلّ وسيلة إعلامية طريقتها في معالجة الأحداث سواء إرهابية كانت أو غيرها، أليس كذلك؟

بالنسبة إلى الخطاب الإعلامي في علاقته بالحوادث الإرهابية ما بعد ثورة 14 يناير تميز بميزتين أساسيتين؛ التركيز على الحدث أكثر من التركيز على الظاهرة وإيلاء الاهتمام للعمليات الإرهابية أكثر من الاهتمام بالظاهرة بأسبابها وعواملها وسياقاتها وآثارها المفترضة ودون تحليل استراتيجياتها الاتصالية في الدعاية والإشهار من حيث الأهداف المرحلية والنهائية ومن حيث الوسائل المعتمدة في ذلك، بحثا عن إثارة المتلقي بإغراقه في تفاصيل الحدث.

والميزة الثانية هي الاقتصار في تفسير الحدث الإرهابي على الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية دون مرجعيّاته التاريخية والدينية تجنبا لكل إحراج أو ردة فعل قد تُثار عند مناقشة المسلّمات الأسطورية للتاريخ الإسلامي ممّا يوحي بأن الظاهرة لغز غريب عن تاريخنا “المجيد” وعن ديننا الحنيف كما هي غربية عن العصر “السعيد” الذي يحاربها رغم مظاهر العنف والإرهاب التي تتناقلها يوميا نفس المؤسسات الصحافية.

هل تعتبر أستاذ جلال أن هناك مؤسسات إعلامية في تونس دعمت الإرهابيين وجرائمهم وكذلك أطروحات الحركات الجهادية من خلال هذه المقاربات؟

كيفية التغطية والإخراج تصب في مصلحة الإرهاب
كيفية التغطية والإخراج تصب في مصلحة الإرهاب

أنا أفضل الحديث عن تقاطعات بين الإعلام والإرهاب بعضها وظيفي في مستوى تقاسم عفوي للأدوار والوظائف الدعائية من جانب المؤسسات الصحافية ولكنه مقصود من جانب المُخطط الإرهابي حيث يقوم هذا الأخير بالتنفيذ مع اختيار المكان والزمان والضحايا تاركا للفاعل الإعلامي مهمة النشر والمبالغة على أوسع نطاق.

والبعض الآخر من هذه التقاطعات هو بنيوي مرتبط بطبيعة المؤسسات الإعلامية التابعة لقوى الإسلام السياسي المحلية والإقليمية والتي تشترك في نفس المشروع لأسلمة الدولة والمجتمع ودمج الدين بالسياسة رغم ما يظهر من اختلافات تكتيكية. فقد تعددت البرامج التلفزيونية والمقالات الصحافية التي تناولت قضايا الإرهاب بخلفية داعمة للإسلام السياسي عامة مما أثار اتهامات من داخل الحقل الصحافي بتبييض الإرهاب والتورط في الدسائس السياسية والأمنية ثم بالفساد استغلالا للنفوذ والابتزاز مثلما حصل مع بعض الصحافيين المنشطين في عديد المناسبات خاصة مع الإعلام السمعي البصري، كما تضمنت بعض البرامج الحوارية فرضيات تلمّـح حينا وتصرّح أحيانا أخرى إلى إمكانيات اختراق المؤسسة الأمنية بل وتواطؤ بعض عناصرها مع الإرهابيين.

وبقطع النظر عن مدى صحة هذه الفرضيات فهي تتقاطع مع الاستراتيجيات الإرهابية في أحد مكوّناتها الأساسية المرتبطة بإنهاك المؤسسات الأمنية والعسكرية وإضعاف قدرتها على المقاومة والطعن في مصداقيتها وتجريدها من الثقة المواطنية من خلال نشر الشعور الجماعي المعمّم بعجزها عن حماية المواطنين في سلامتهم الأمنية تمهيدا للانقضاض على الدولة حسب ما هو معروف في الأدبيات الإرهابية.

ما الذي يغيب اليوم عن الإعلام لكي يضطلع بدوره المنوط به ولكي يعزز الجهود الوطنية لمكافحة آفة التطرف في آن واحد دون التراجع عن حرية التعبير وغيرها؟

ينجح الإرهاب عادة في فرض التفاوض غير المباشر مع الرأي العام والسلطة السياسية، حاضرا بنوعية التغطية الإعلامية وأشكالها في ثنايا البرامج السياسية والحملات الانتخابية والخطط الأمنية العسكرية لمحاربته في أضعف حلقاته وأضيق مساحاته المفضلة، في حين تُترك أقوى حلقاته الاتصالية الدعائية لعفوية الصحافة وانطباعيتها اللتين تمثلان بساطا فرجويا مغذيا لكرة ثلج لن تذيبها غير نفس الممارسة الصحافية المستقلة عن المنطق الزبوني والواعية لآثار خطابها والمختصة بمجالات تدخلها حين تكتشف أن الصراع مع الظاهرة الإرهابية أصبح يخاض على أعمدة الصحف المكتوبة وموجات البث الإذاعي وشاشات التلفزيون كما على المواقع الإلكترونية لشبكات التواصل الاجتماعي.

في تونس لا توجد غير المسارات الأمنية في مواجهة الإرهاب مقابل غياب لعدة مسارات لا تقل أهمية حسب التليلي

إن غياب الإعلام المختص في قضايا الأمن والإرهاب وفي الإعلام القضائي يضعف من مراقبة هذه السلطات التي تُتهم من حين إلى آخر بالتورط تقصيرا أو تهاونا أو تساهلا في بعض المعالجات المؤسسية للجرائم الإرهابية، دون رصد إعلامي موضوعي أو متابعة صحافية استقصائية، كفيلة بتجاوز ما تغذيه الإشاعات من تطبيع وإرباك مع ما قد يصحّ منها من اختراقات فعلية.

مازالت أزمة القطاع الإعلامي متعدّدة المظاهر والأسباب. وسوف تكون طرائق التعاطي معها حاسمة في تغطية الأحداث الإرهابية وتناول الظاهرة محليا وإقليميا وعالميا، خاصة وأن الخطاب الإعلامي في “تونس” لم يتجاوز تقاطعاته مع الثقافة السياسية الموروثة وظل حبيس الاستحداث التوفيقي الذي ميّز الفكر النهضوي والحركات الإصلاحية والوطنية المعاصرة جامعا بين العناصر التقليدية الموروثة وبين العناصر الحديثة الوافدة ضمن توليفة توفيقية ظلت عاجزة عن حسم مآلاتها.

اليوم هناك مسارات متعدّدة في تونس للقضاء نهائيا عن ظاهرة التطرف، كيف تقرأ هذه الجهود خاصة أن عمليات نيس وأكودة في ولاية (محافظة) سوسة الساحلية مؤخرا كشفت عن خلل ما، أين الخلل برأيك؟

حسب رأيي لا توجد في تونس غير المسارات الأمنية في مواجهة الإرهاب والتطرف مقابل غياب لعدة مسارات أخرى لا تقل أهمية استراتيجية، مثل المسار التنشيئي والتربوي الذي يحتاج إلى رؤية إصلاحية جذرية للتربية على المواطنة وحقوق الإنسان وحرية الضمير، والمسار السياسي الذي مازالت رهانات فاعليه الأساسيين تعطل العديد من الإجراءات القضائية والسياسية وغيرها. فمواجهة الإرهاب تتطلب رؤية علمية دقيقة تكشف عن تعدد الأسباب بما فيها الأسباب الدينية وتداخل المسارات بما فيها المسارات الثقافية المؤدية إلى التطرف والإرهاب، كما تتطلب استراتيجيا جريئة قادرة على تجاوز مقولات المؤامرة الخارجية وتبرئة الذات والتنصل من المسؤولية المجتمعية والحضارية تجاه هذه الظاهرة.

فالمشكلة أنّ استخدام صنف من الصحافيين مثلا لمفهوم انتقائي ستاتيكي لهوية “ثابتة يعتبرها مستهدفة لذاتها” كما ظهر في المدة الأخيرة، إنما يبرر “عنفها الدفاعي عن النفس والمال والعرض ونصرة الدين الحق” ويحمل تقاطعا مع المواقف التي تصب ضمنيا في أهم مكونات الاستراتيجية الإرهابية التصادمية التي تقسم العالم إلى مسلمين ضحايا العصر وأبرياء التاريخ، يحملون رسالة عالمية لأسلمة العالم، و”غرب كافر متربص متآمر لا بد من مقاومته وإسقاطه”. مثل هذه السرديات الشعبوية نجدها للأسف تخترق عديد الخطابات الصحافية وتعيد إنتاج ثقافة أقل ما يقال فيها إنها لا تشجع على مقاومة الإرهاب والتطرف إذا لم نقل إنها تعمل على إعادة إنتاج نفس الثقافة الحاضنة ونفس الحس المشترك الانفعالي متخلية عن الأبعاد النقدية والتحررية التي تميز الممارسة الصحفية.

نختم بهذا السؤال، هل يمكن القول إن المثقف اليوم في تونس وحتى رواد الإسلام الوسطي الذي رعته الدولة في وقت ما مستقيلين عن الواقع التونسي ما غذّى أطروحات الجماعات الجهادية؟

جلال التليلي يعتبر أن التغطية الإعلامية في تفسير الحدث الإرهابي تقتصر على الأسباب السياسية والاجتماعية دون مرجعياته التاريخية والدينية تجنبا لكل إحراج.
جلال التليلي يعتبر أن التغطية الإعلامية في تفسير الحدث الإرهابي تقتصر على الأسباب السياسية والاجتماعية دون مرجعياته التاريخية والدينية تجنبا لكل إحراج.

الحديث عن دور المثقفين في تونس اليوم يثير عدة إشكاليات أهمها الموجة الشعبوية التي تجتاح المجتمع في معاداة الثقافة والمثقفين والمفكرين والباحثين لصالح أشكال جديدة من ثقافة التسطيح والاستهلاك والشعوذة والخطابات الجوفاء التي تثير المشاعر وتخدّر العقول أو تلك التي تستعمل الدين تبريرا للحكم واستغباء بسطاء المواطنين ولا أرى دورا جديا وحاسما للمثقفين في مواجهة أسباب التطرف والتعصب على المدى المنظور، والعزاء في ما قد تعرفه بعض المؤسسات من إصلاحات محتشمة وما تمارسه مكونات المجتمع المدني من أنشطة تحسيسية سوف تظل محدودة.

أما رواد الإسلام الوسطي فهم فاقدون للمصداقية نتيجة ارتباطاتهم السياسية السابقة واللاحقة ولكونهم عاجزين معرفيا عن مباشرة حركة إصلاحية دينية تفصل بين الدين والحياة العامة فتخلّصه من الخرافات والأساطير ومن نسبية السياسة كما تستعيد عقلانية الدولة وعدالتها التوزيعية للفرص المتساوية. توجد العديد من المجتمعات المشابهة التي تتوفر على نخب دينية وسطية ولكنها لم تكن في منأى عن الإرهاب باعتباره ظاهرة مُعولمة ومعقدة تحتاج إلى مزيد من التحليل والتفكيك.