جلال الماغوط: عملي الفني متحرك ينمو ويتطور

الفنان السوري يتعامل مع الفيلم وطريقة إنتاجه كما يتعامل مع أي لوحة فنية، فمعالجة اللوحة هي التي تقوده إلى النتيجة النهائية.
الأحد 2020/11/08
الزمن والنضج والتحوّل وسائل صناعة فنان متفرد

جلال الماغوط فنان سوري، تخرج في كلية الفنون الجميلة قسم الاتصالات البصرية في العام 2010، ومشروع تخرجه كان فيلما بعنوان “كائنات من عدم”. وقد منحه تفوقه الدراسي فرصة ليصبح معيدا في الجامعة فور تخرجه مباشرة. لكنّ الشاب الذي كان قد عايش حياة سريالية مع بدايات الأزمة والحرب في سوريا، قرر مغادرة ليس فقط مقعد المدرّس وإنما سوريا كلها، ليعيش في ألمانيا ويتحصل على درجة الماجستير في الرسوم المتحركة، وفي جعبته اليوم أربعة أفلام رسوم متحركة وفيلم واحد يجمع ما بين الوثائقي والمتحرك. وهو اليوم كفنان ومخرج يتوّج للمرة الثانية بالجائزة الكبرى عن فيلمه “have a nice dog” في مهرجان أوبسالا للأفلام القصيرة. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الفنان السوري.

ما زالت الحرب وتداعياتها تشكل هاجسا وهمّا بالنسبة إلى الكثير من الفنانين السوريين، وجلال الماغوط فنان الرسوم المتحركة، قدم مؤخرا فيلما قصيرا لم تتجاوز مدته 5 دقائق بعنوان “Have a nice dog” اختصر فيه قصة الشباب السوري اللاهث وراء الرحيل والهجرة.

“العرب”: بداية لا بد لي من سؤالك، كيف اتجهت إلى عالم الرسوم المتحركة وأقدمت على تلك التجربة كمشروع تخرج لطالب في كلية الفنون الجميلة، رغم أننا لا ندرس هذه المادة في جامعاتنا السورية؟

جلال الماغوط: أثناء دراستي في سوريا، لم أفكر للحظة بأن أصبح مخرجا، ولكني منذ صغري كنت متعلقا بموضوع السرد البصري، فبدأت بكتابة ونشر قصص مصورة منذ كان عمري 16 عاما، واتجاهي للسينما جاء تطورا طبيعيا لما بدأته سابقا، فكان من الطبيعي أن اختبر رسوماتي ضمن إطار زمني، لكن وكما تعلمين وبسبب عدم وجود كلية لدراسة السينما، أو حتى قسم لدراسة الرسوم المتحركة (Animation) في كلية الفنون الجميلة، فإنه يتوجب علينا كفنانين أن نقوم في معظم الأحيان بالتعلم الذاتي لنفهم كنه صناعة السينما، وأن نتعلم كيف نبحث عن فكرة وكيف نكتب النص والقصة المصورة (storyboard).

أما بالنسبة إلى فيلمي الأول “كائنات من عدم” الذي قدمته في العام 2010 كمشروع تخرج، فكنت قد بدأت بكتابة السيناريو ووضع الأفكار البسيطة له منذ عامي الثالث في الجامعة، ثم بدأت منذ بداية السنة الرابعة بالتنفيذ العملي الذي استغرق أكثر من عام، والسبب في ذلك يعود لأنني كنت أتعلم لوحدي ذلك الفن من خلال البحث والقراءة، بمعنى كنت أتدرب وأتعلم وأقوم في الوقت عينه بتجهيز المشروع.

العمل الفردي والجماعي

أعمال فنية مشغولة بواقع سريالي
أعمال فنية مشغولة بواقع سريالي

“العرب”: في العام 2013 كان أول ظهور إعلامي لك من خلال فيلم “قماش على مواد مختلفة”، وهو الفيلم الذي عرض في العديد من المهرجانات وحصل على المركز الأول في مهرجان “صنع في المتوسط” في بلجيكا، ثم لم نسمع بمشاريع جديدة لك إلا في العام 2020 مع فيلم “have a nice dog”، الذي كان فيلم تخرجك في الرسوم في الماستر، فهل أفلام الرسوم المتحركة تحتاج كل هذا الوقت أم أنها تحتاج للتمويل؟

جلال الماغوط: في الحقيقة أنا لم أتغيب، فقد قدمت في العام 2014 فيلما يجمع ما بين الوثائقي والرسوم المتحركة بعنوان “سليمى” وهو فيلم عرض أيضا في عدة مهرجانات سينمائية، وكان بالنسبة إلي أول تجربة أتعامل فيها مع مادة وثائقية من خلال Animation الرسوم المتحركة، وهو فيلم لم يكن بالإمكان تنفيذه بطريقة تقليدية (life action) لأسباب كثيرة.

 كما أن مشاريع الرسوم المتحركة تستهلك الكثير من الوقت والجهد، إضافة للاعتبارات الإنتاجية الأخرى وإمكانية الحصول على دعم. وأنا اليوم في جعبتي فيلمان جاهزان للعرض بعنوان “هنا في الأعلى حيث الآلهة البيض”، و”Have a nice dog”، وهما فيلمان غير مرتبطين ببعضهما البعض، ولكنني كنت قد عملت عليهما بشكل متزامن، وبدأت عرضهما فعليا في المهرجانات التي باتت المنصة الوحيدة لعرض مثل تلك الأفلام، وكان الفيلمان قد استغرقا مني جهد أربع سنوات، كنت فيهما معتكفا للعمل ولست منقطعا أو غائبا.

“العرب”: هل فعلا كل مشاريعك تقوم بإنجازها بشكل منفرد من الألف إلى الياء؟

جلال الماغوط: لدي حتى الآن أربعة أفلام من أصل خمسة قمت بتنفيذها كاملة من الألف إلى الياء، باستثناء فيلم “هنا في الأعلى حيث الآلهة البيض” الذي استعنت فيه بفكرة وسيناريو مايك بليت، وهو مؤرخ ألماني مختص، وكانت تلك تجربتي الأولى في التعامل مع مادة جاهزة، وهو فيلم يحكي عن موضوع متعلق بألمانيا الشرقية سابقا وحول عمال العقود، الذين كان يتم استقدامهم من بلدان شرقية سابقا للعمل ضمن اتفاقيات مع الحكومة الألمانية الشرقية.

شاركني في إخراج الفيلم كل من ألكسندر لال ومايك يليت، وهو أول فيلم كنت منفتحا فيه للتعاون مع الآخرين، وربما أحد الأسباب التي حفزتني للتجربة أنني كنت أريد أن أتخلى قليلا عن أنانيتي في العمل وأن أجرب العمل ضمن جماعة، وقد تضمن العمل رؤية جديدة، لكنني ربما لن أجرب ذلك مرة أخرى.

أما السبب في طريقة تفكيري بالعمل بشكل منفرد، فهو غالبا بسبب دراستي للفنون الجميلة، فأنا أتعامل مع الفيلم وطريقة إنتاجه كما أتعامل مع أي لوحة فنية، فمعالجة اللوحة هي التي تقودني إلى النتيجة النهائية التي ربما تكون مختلفة قليلا أو كثيرا عن تصوراتي الأساسية، وبالتالي هناك تطور يحصل أثناء العمل على الفيلم، واللوحة في النهاية عمل فردي وتعكس رؤية فردية، ولكن هذا لا يعني بالمطلق أن الفنان لو عمل مع الجماعة سيتخلى عن فرديته، بالإضافة إلى أن تكلفة إنتاج أفلام الرسوم المتحركة تجعلها تحتاج للكثير من الوقت والجهد والمال، والعمل مع فريق عمل كبير يحتاج لميزانيات كبيرة.

“العرب”: تستخدم في عملك الكثير من التقنيات والأساليب لماذا؟

جلال الماغوط: أحاول في كل مرة من خلال تجربتي الشخصية أن أختبر تقنيات وأساليب مختلفة في السرد البصري وبنية النص، كما أحاول اكتشاف طرق جديدة في التعبير، لكن أساس العمل هو رسم يدوي على الورق، مع وجود مراحل استخدام فيها الديجيتال.

جربت مثلا تقنية cut out تحديدا في فيلم “قماش على مواد مختلفة”، أما ما تبقى من أفلام فتغلب عليها الطريقة الكلاسيكية في الرسوم المتحركة (frame by frame).

الخروج من سوريا

شخصيات من عمق الواقع
شخصيات من عمق الواقع

“العرب”: غادرت سوريا منذ ما يقارب السبع سنوات ونيف، ورغم كل هذا البعد الجغرافي، ما زالت الحرب والحياة في سوريا تشغلك، وتشغل حيزا كاملا في أعمالك، والدليل على ذلك محتوى فيلمك الأخير، كيف ترى ذلك؟

جلال الماغوط: رغم كل تلك السنوات، أنا وغيري من الشباب السوريين الذين غادروا سوريا، لم ننفصل عنها وعن همومها، إنها جزء من واقعي اليومي وخاصة أن لي أهلا داخلها، وبالتالي لا أستطيع أن أرمي كل ذلك خلف ظهري وألتفت إلى نفسي فقط، ودائما أشعر أن لي قدما في الداخل وأخرى في الخارج.

 من ناحية أخرى، الموضوع المتعلق بالسفر وتغيير المكان وحرية التنقل والحركة، كل تلك الهواجس كنت قد تعرضت لها شخصيا، ولم تكن هينة بالنسبة إلي، فالسفر ليس بالشيء اليسير حاليا، وذلك بسبب جنسيتنا وجواز سفرنا السوري، ومن المفارقة أنه تحول إلى حلم وهدف أساسي في الحياة ويحتاج جهدا لتحقيقه، فالكل يبحث عن مكان جديد يبدأ فيه حياته بطريقة أفضل.

كما أن الفيلم وبنسبة 50 في المئة منه، عبارة عن تجارب شخصية مستمدّة من الواقع، ورغم أن السرد البصري بالنسبة إلي ليس واقعيا، لكنه في النهاية إعادة تحوير لواقع تأثرت به، فأمور كثيرة كانت تشغلني وأنا ما زلت في سوريا أو حتى حين غادرتها، وهي مرتبطة بالجو السريالي الذي كان سائدا في سوريا منذ بداية الأحداث وحتى لحظة مغادرتي لها في سبتمبر من العام 2013.

الزمن والنضج والتحوّل وسائل صناعة فنان متفرد
مشاريع الرسوم المتحركة تستهلك الكثير من الوقت والجهد​​​​

 في ذلك الوقت كانت قد بدأت تداعيات الحرب تصل إلى محيط العاصمة دمشق، ولكن الناس كانت تعيش حياتها وكنزعة إنسانية بشكل طبيعي، فالأسواق مفتوحة ومكتظة، والناس يذهبون لعملهم، ويتواجدون في المقاهي.

وأنا أيضا كأستاذ جامعي ملتزم بعملي، كنت أذهب إلى الجامعة وأدرس، أحتسي قهوتي في الاستراحة، وسط أصوات القصف الذي لا يبعد عني بأكثر من 3 أو 4 كلم، كان الوضع ضاغطا بالنسبة إلي، وكنت أسأل نفسي، ماذا نفعل نحن السوريون وكيف تسير هذه الحياة بشكلها الطبيعي، وكيف يحاول الناس التأقلم مع الوضع بهذا الشكل، وكيف يتظاهرون مثلا بأنه طبيعي، وكيف لي أن أمارس حياتي الروتينية اليومية وعلى بعد كيلومترات مني هناك من يموت، وهل بإمكاني مثلا أن أكمل فنجان قهوتي رغم القصف وأن يكون يومي طبيعيا وبهذا الترف، بمعنى تطبيع الكارثة اليومية التي نعيشها، كان شعورا غريبا وقاسيا، فسريالية التباين ما بين دمشق ومحيطها كان ممزوجا بشعور بالعجز، كل تلك اللحظات كانت عاملا مؤثرا في هذا الفيلم.

كما أن شخصية الكلب (بارود) في الفيلم، مستوحاة أيضا من حياتي، فهذا الكلب ما زال حتى اليوم يعيش لدى عائلتي التي شاءت الصدف في العام 2012، أن يولد في منزلهم بشكل سريع وغريب، وليتقبلوه رغم أنهم ليسوا من مربي الحيوانات.

وكان هذا الكلب قد ولد في الفترة التي كانت فيها الطائرات تحوم في أرجاء دمشق، فوق منزلنا تماما، حيث أصوات القذائف مسموعة على مدار الساعة، وكان لديه سلوك نفسي غريب، فهو دائما قلق وخائف، يهرب أحيانا ويختفي حتى دون سبب، وكنت أشعر أنه يشبه تلك المرحلة والزمن الذي نعيشه، من حيث الخوف وعدم الثقة في ما هو قادم، وكان يتجنب النظرة المباشرة لعيونه، ويحاول دائما أن يحصل على أكبر قدر ممكن من أي لذة يومية طبيعية سواء كانت أكلا أو شربا أو حتى نوما.

كما أن الحرب جعلت لدينا نزوعا للتمتع بأمور كانت طبيعية جدا ولكن قيمتها تصاعدت بشكل لا شعوري، لتصبح مثلا كأس الماء ذات قيمة كبيرة، ليس بسبب صعوبة الحصول عليها في وقت ما، ولكن لأنها أصبحت لذة من اللذات اليومية، وهذا النزوع سببه الترقب والخوف من اللحظة القادمة.

في الشارع مثلا حين كنت أقابل أشخاصا قد أعرفهم بشكل سطحي وأسلم عليهم، كان يتملكني شعور بأنها المرة الأخيرة التي سأقابلهم فيها، لأنني ربما سأموت أو أسافر أو هو يسافر، هناك دائما نظرة وداع ترافقنا.

 كنت مثلا أبحث في هاتفي عن قائمة الأصدقاء والمعارف والأقرباء وأكتشف أن معظمهم لم يعد موجودا، كل تلك الأمور جعلت من رؤيتي لكل ما هو محيط بي يتغير، فالشوارع جديدة وغريبة بالنسبة لي، وضاغطة وخانقة وكأنني أراها لأول مرة، كل ما فيها غريب ومختلف عما كنت أعرفه.

والحرب بالدرجة الأولى شيء صادم على مستوى الشعور والنفس لأنها تأتي مترافقة مع جملة مكثفة من المشاعر والأفكار، التي لا نتعرض لها في الحالة الطبيعية بكل تلك الكثافة ودفعه واحدة.

ولذلك مهما طال الوقت، الموضوع سيبقى حاضرا، ولكن ممكن أن يأخذ تحويرات وتجريدات وأشكالا أخرى، وسيخف عامل الضغط على الفنان وحاجته لعمل شيء، لأنه مع الزمن سيتحرر من فجائية الموضوع ومن هوله.

النضج الفني

“العرب”: في فيلمك الحالي (Have a nice day)، استخدمت لأول مرة حوارا منطوقا بطريقة السرد الذاتي، لماذا فعلت ذلك، هل شعرت بأن الفيلم كان بحاجة إلى وسيلة تعبير إضافية هذه المرة؟

جلال الماغوط: اللغة كانت عامل تحفيز، وكأنني اختبر ما الذي يمكن أن تضيفه للفيلم، وأنا أحب اللغة لأنني أكتب، كنت أحاول اكتشاف إمكانياتها كأداة، وهي في هذا الفيلم جزء أساسي من الشخصية، على اعتباره يعيش حالة هذيان وحوار دائم مع نفسه.

“العرب”: ولكنك استخدمت اللغة الألمانية مع صوت الراوي وستستخدم لاحقا اللغة الإنجليزية وأيضا العربية، هل ستستغني عن الترجمة؟

اختصار لقصة الشباب السوري اللاهث وراء الرحيل والهجر
اختصار لقصة الشباب السوري اللاهث وراء الرحيل والهجر

جلال الماغوط: نعم فأنا أشعر أن لكل لغة قوة تعبيرية مختلفة عن اللغات الأخرى، وهذا سبب حبي أساسا للغة الألمانية، وبالمناسبة كتبت النص لأول مرة باللغة الألمانية واحتاج مني عدة مراحل للتطوير والتعديل، وبعد ذلك كتبته بالإنجليزية والعربية.

 كما أنني أريد أن أستغني عن الترجمة نهائيا، لأن الترجمة وخاصة في الأفلام القصيرة وتحديدا الرسوم المتحركة التي تحتوي الكثير من العناصر البصرية، ستكون عامل تشتيت لانتباه المشاهد، كما سأحاول قدر الإمكان أن أقدم الفيلم بكل اللغات المهمة والمتاحة، لأتمكن من الاستحواذ على أكبر عدد من المشاهدين في العالم.

“العرب”: كفنان تشكيلي ورسام بالدرجة الأولى، تبدو رسوماتك تكعيبية بدرجة كبيرة، فهل سبب ذلك تأثرك بفنانين معينين؟

جلال الماغوط: في مراحل مختلفة أعجبت بالكثير من الفنانين مثل بيكاسو وبول كلي، ولكنني كنت متأثرا أكثر باتجاهات في التفكير التكعيبي، وأنا أشكرك على دقة ملاحظة ذلك في أعمالي، فالتكعيبية البنائية أو التركيبية، إضافة إلى تيارات أخرى ظهرت مع مدارس من فترة الحداثة، كانت موحية بالنسبة إلي، من حيث آلية توليد الصورة وكيف يمكن إعادة تركيب صورة جديدة من مخلفات الذاكرة.

وعملي الفني إذا حق لي تصنيفه هو حصيلة آليات من التفكير، وعموما أنا لا أصنف عملي، لأنه متحرك وينمو مع الفنان والرسام، فالخط الشخصي للفنان ينمو مع طريقة تفكيره وتناوله للأشكال، وكيف يعبر من خلال الخط واللون والكتلة، وهذا كله مرتبط بالزمن والنضج والتحول.

11