جلباب السيدة الأولى الفضفاض

الإعلام اليوم في حاجة إلى الإجابة عن سؤال مهم وملح وهو: أين كانت زوجة الرئيس -أيّ رئيس كان- قبل أن تصبح “السيدة الأولى”؟ ولماذا لم يبرز اسمها إلا بعد أن عكس عليها منصب زوجها الأضواء؟
الجمعة 2018/11/16
لطيفة أوشاكي واحدة من الشخصيات التي شكلت مثالا بارزا للسيدات الأوائل

كل امرأة سيدة على أسرتها، هذا من حقها داخل حدود بيتها، ولا يمكن لأحد أن ينازعها في هذا الحق أو يجحدها إيّاه، فالمرأة رغم ما تتعرض له من ظلم وتمييز جندريّ وقهر في مجتمعات كثيرة تظل كالمحارب الوفي لا تستسلم بسهولة، وتدافع بكل ما أوتيت من قوة على كيان أسرتها.

وهناك سيدات كثيرات خرجت أدوارهن عن الإطار الأسري الضيق، ليقدمن أعمالا إنسانية جليلة تجاوزت الإطار الشخصي والفردي -حتى في المجتمعات العربية التي تغلب عليها سيطرة الذكور وتتحكم فيها الميليشيات الدينية- لتعُمَّ فوائدها مجتمعات بأكملها، وهن حقا جديرات بلقب “السيدات الأوائل”.

ويمكن استحضار نماذج عالمية كثيرة لسيدات لا يمكن أن يسقطن سهوا من ذاكرة التاريخ، ومنهن الراحلة فيما اسبن زوجة راؤول كاسترو شقيق الزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، التي بالرغم من شهادتها الجامعية العليا في الهندسة الكيميائية وانحدارها من عائلة أرستقراطية، أدارت ظهرها لحياة البذخ والتحقت بالثوار في الخمسينات من القرن الماضي وشاركتهم كِفاحَهم من أجل إسقاط الدكتاتور اليميني فولجينسيو باتيستا، وقد عُرفت بلقب “السيدة الكوبية الأولى” لدفاعها المستميت عن حقوق المرأة، وأسست في عام 1960 رابطة النساء الكوبيات التي تنتسب إليها حوالي 85 بالمئة من الكوبيّات.

وحتى في الدول الإسلامية التي سيطر عليها المتشددون وطبقوا فيها تقاليدَ مشابهة لأفكارهم، كانت هناك نساء واعيات بقضايا مجتمعاتهن، ومناصرات شرسات لحقوق المرأة، في عصور ربما لم يكن من السهل فيها على النساء أن يكن صاحبات رأي أو صانعات قرار، لا في محيطهن الأسري الضيّق ولا في المحيط الاجتماعي الموسّع الذي يحكمه الذكور ورجال الدين، مثل لطيفة أوشاكي زوجة مصطفى كمال أتاتورك، وثريا طرزي زوجة أمان الله خان أمير أفغانستان عام 1919 قبل أن يحوّلها إلى ملكية في عام 1926، ونيمتاج أريملو الملقبة بـ”تاج الملوك” وزوجة شاه إيران الأسبق رضا بهلوي.

لقد شكلت شخصيات هؤلاء النسوة مثالا بارزا للسيدات الأوائل، اللواتي تمردن على واقع القهر واللامساواة بين الجنسين في بلدانهن خلال القرن التاسع عشر، وكانت لهن أدوار ريادية وهبت بنات جنسهن طاقة من فولاذ، وأتحن لهن الفرصة للانفتاح على عالم من الممكن أن تكون فيه المرأة سيدة أولى بأتم معنى الكلمة وليست مجرد مُلحقة أو تابعة للسيد الرئيس.

لكن من الواضح أن عبارة “السيدة الأولى” قد أصبحت مصطلحا يُطلق عشوائيا على زوجات الرؤساء من دون أن يقدمن أية أدوار مهمة تذكر فتشكر، فكم من زوجة رئيس في مجتمعاتنا العربية نالت لقب “السيدة الأولى” ولاحقتها عدسات المصورين لرصد تحركاتها، وتنافست الصحف والمجلات على تزيين أعمدتها بصورها، إلا أن جميع ذلك لم يخرج عن إطار الديكور والبهرج الخارجي، والأسوأ أن البعض منهن قد أعطين أمثلة سيئة على “السيدة الأولى” بسبب كوْنِهنّ شخصيات انتهازية وجشعة ومتكبرة.

من المؤسف حقا أن أغلب عدسات وسائل الإعلام قد أصبحت إما بعين واحدة أو مصابة بالعتمة، لهذا فهي لا تبرز الجانب الأهم لهذه الشخصيات، وهو ماذا قدمت هؤلاء السيدات من أعمال إنسانية ليحظيْن بهذه الهالة الإعلامية؟

أعتقد أن لقب “السيدة الأولى” لا يجب أن يكون مجرد جلباب فضفاض ترتديه زوجة الرئيس، أو يحيطها به الرأي العام، لا لشيء سوى لأن زوجها جلس على كرسي العرش، وإن لم يكن لديها ما تقدمه من خدمات لبلدها أو مجتمعها فيكفي أن تمارس سيادتها داخل بيتها وفي نطاق أسرتها، وليس من العدل أن تؤثر في مصير شعب بأكمله، وأعني بالتأثير هنا التأثير السلبي طبعا.

الإعلام اليوم في حاجة إلى الإجابة عن سؤال مهم وملح وهو: أين كانت زوجة الرئيس -أيّ رئيس كان- قبل أن تصبح “السيدة الأولى”؟ ولماذا لم يبرز اسمها إلا بعد أن عكس عليها منصب زوجها الأضواء؟

21