جلبير بير مبتكر فن الإلكتروميكانيكا الدرامي كوميدي

الفنان الفرنسي جلبير بير يقدم لوحات ومنحوتات يمتزج فيها المسرح بالفنون التشكيلية وأجواء مدينة الألعاب.
الاثنين 2018/08/06
قليل من السحر، كثير من الابتكار

لم يعد الفن، منذ مارسيل دوشامب، لوحة وفرشاة وقماشة، بل صار مجالا للقطع مع السائد والبحث والمغامرة، ولو بعروض تصدم الذائقة الجمعية، فالغاية أن يكتسب الفنان تفردا لا ظلال فيه لسابقيه ومعاصريه. من بين التجارب الفريدة نعرض هنا لمغامرة الفرنسي جلبير بير

بمَ يمكن أن ننعت الفرنسي جلبير بير؟ فنان، مبتكر، ساحر، مصمّم رقص؟ هو كل ذلك في الوقت نفسه، لم يلتحق بكلية ولا بمعهد للفنون الجميلة، بل هو عصامي، بدأ حياته بممارسة أعمال هامشية ثم تحوّل إلى نحّات إلكتروميكانيكي، يبتكر أشياء وآلات ترقص وتدور وتتنقل بشكل مدهش، وفق إخراج يسهر على تفاصيله بدقة، ليقدم لوحات و”منحوتات” يمتزج فيها المسرح بالفنون التشكيلية وأجواء مدينة الألعاب.. حيوانات تتنقل على عجلات، سروال وتنورة قصيرة يرقصان الروك بحمية، رأس دمية مفككة تتحرك بأعلى سهارة.

هو رجل حييّ، خجول كطفل، مقتصد في الكلام وكأنه يفضل أن تتكلم منجزاته بدلا عنه، كان مولده عام 1947 في بلدة أنّو بوسط فرنسا، في عائلة فقيرة من تسعة أطفال، ونشأ في مكان تحيط به جبال تقرب أسماؤها من عوالم السحر والخرافات القديمة (ناب الشيطان، جمل الأنوار، غرفة الملك..) فبدأ يصنع لعبه بنفسه منذ الصغر، ويصوغ منها سيركا يسلي به إخوته وأترابه.

ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره، اشتغل قفّالا، ثم لحّاما، قبل أن يحل بباريس ليعمل نادلا بمقهى، وكان في أوقات فراغه يجرب بعض المنحوتات التصويرية باستعمال الورق والطين، وبعد إغلاق المقهى، عمل حارسا في متحف اللوفر لمدة ثلاثة أشهر، هناك اكتشف سيزان ودوغا، وانتقل إلى صنع لعب ذات عجلات باستعمال علب الصفيح، ليبيعها من بعد في سوق كلينيانكور.

في نهاية السبعينات، بدأ يتعامل مع المعادن بأكثر حِرفية، فصار يصنع لعبه المتحركة بعد أن تمرس بالكهرباء والميكانيكا، سواء باستعمال مُدوِّرة أو لوالب أو محركات كهربائية، عندئذ استوحى من طرق صناعة الفخار وكذلك من عمل النحاتين ما ساعده على تبين طريقه، ألا وهو صنع آلات وتحويلها إلى أعمال فنية.

استقر بدكان في مونمارتر كان يعرض فيه منحوتات غريبة، رأى فيها الناس ابتكارا ذا قيمة فنية، ولم تمض بضعة أعوام حتى صار يعرض أعماله الفنية في بعض الأروقة مثل رواق “موستيني” ورواق “دوفال دونر”، قبل أن يشارك في معارض جماعية.

جلبير بير: الميكانيكا هي أجمل ما في الأداة، فهي التي تمنح الأداة قوة تعبيرية وشاعرية ساحرة، ولكنها هشة

يذكر بير تلك الفترة، فيقول “بدأت بمنشار ومفكّ براغٍ، واشتريت أدواتي الواحدة تلو الأخرى لأصنع لعبا أبيعها في سوق الخردة بسوق ضاحية كلينيانكور المجاورة، ما مكنني من فتح دكان في مونمارتر”.

وعلى غرار السويسري جان تينغيلي (1925-1991) ومبتكراته التي سماها “ميتا -ماتيكس” (أعمال فنية متحركة)، صنع جلبير بير من آلاته الغريبة أعمالا فنية، ليس من وظيفتها أن تكون مفيدة كسائر الآلات، بل أن تفتح على الحلم، وتحرك في المشاهد نوازعه الجمالية، وهو ما تفطنت له قاعات ومتاحف كثيرة مثل متحف “بورديل”، ومؤسسة “كارتيي”، وفضاء “مائة وأربعة” ومتحف “رصيف برانلي”.

لجلبير بير علاقة خاصة بمبتكراته، لذلك يرفض بيعها، ويفضل أن يستغلها في إنتاج عروض فرجوية مع فرقة روفو، وفي أفلام من إخراجه كـ”يقظة بيانو” و”الليلة نقتل الخنزير” و”كوبيدون”، أو يحتفظ بها في ورشته بأوبرفيليي، شمالي باريس، معلقة جنب بعضها بعضا، إلى حين عرضها هنا أو هناك، كي ينفث فيها الروح ويسحر بها الصغار والكبار على حدّ سواء.

يقول جلبير بير إن “الميكانيكا هي أجمل ما في الأداة، فهي التي تمنح الأداة قوة تعبيرية وشاعرية ساحرة، ولكنها هشة، ولا يمكن أن تتحرك على الدوام خلال المعرض، بل ينبغي التعامل معها بأناة وتؤدة، مثل مخلوقات تقف على حدود الكائنات الحية”.

 ورغم انتقاله منذ مطلع التسعينات إلى البرمجة المعلوماتية، ظل أثر تلك المبتكرات قائما في نفوس زوار معارضه، لأن الإنجاز التقني ليس سوى سند للتأثر الوجداني والجمالي، بفضل ما يضفيه على المشهدية من أصوات منغمة وموسيقى حالمة أو موقَّعة، مع نصيب من الرقة والفكاهة، لأنه يحب الكومي/ تراجيدي، كما يقول.

وتتبدى الطرافة والشاعرية في الديكور وفي الآلات التي تقوم هي نفسها مقام شخصيات على حدة، ما يجعلها أعمالا فنية تدخل في مجال المشهد الحي أو الفن المعاصر أو التثبيت، بل إنها تمزج أحيانا بين المسرح والأوبرا والباليه، وحتى السيرك. هذا الملمح الطريف استرعى انتباه المخرج جان بيير جونيه، فمنح بعض مبتكرات جلبير بير أدوارا على مقاسها في شريط تنشيطي مضحك عنوانه “خدع وافرة”.

تقول الناقدة مارتين لوزاردي “منحوتاته الآلية، آلات متحركة غريبة وشاعرية صنعت من أشياء مهملة، وأمكن لها بلمسة من الكهرباء والميكانيكا والمطاط والإلكترونيك أن تعود إلى الحياة وتصبح شخصيات خرافية قاسية أو ساحرة، من خلال التوفيقات المتساوية الحدين، درامي وكوميدي، يصل جلبير بير المهارات الصناعية اليدوية بالتقدم التكنولوجي، فهو يستعيد ويحوّل ويجدّد تأهيل ما حكمت عليه التكنولوجيا بأنه عديم القيمة، ليعيد إليه اعتباره”.

16