جلب التيارات الدينية إلى مربع الفعل السياسي

الحديث عن تحالف سياسي سينطلق من حاجة الأحزاب الدينية إلى حليف، وسيفترض أن تهجر أرضيتها الفكرية صوب أخرى أكثر حداثة.
الأربعاء 2018/04/11
من الطائفية إلى المدنية

مجرد وجود تيارات دينية في تحالف سياسي هو مؤشر واضح على كونها بارحت أرضيتها الفكرية وانتقلت إلى حقل فكري وسياسي يختلف عما دأبت على ترديده من مقولات دينية تقليدية وماضوية.

التجارب التي قدمت تحالفات سياسية بين أحزاب مدنية وأحزاب دينية إسلامية في العالم، وعلى قلتها، وبصرف النظر على نتائجها على الأرض فإنها تمثل مقدمة أساسية لما تطالب به كل القوى المدنية من وجوب التخلي عن خلط الدين بالسياسة. فالقول بأن حزبا دينيا تحالف مع حزب مدني أو يساري في سياق استحقاق انتخابي أو حزبي، فإن ذلك سينطلق بالضرورة من حدّ أدنى سياسي لن يحتوي أيّ معايير دينية أو عقائدية، وسيبحث فقط عن البرامج أو نقاط الالتقاء السياسية، وسيعني كذلك نزع جلباب الأيديولوجيا ولو إلى حين، ذلك أن الحديث عن ائتلاف سياسي أو تحالف تكتيكي سينطلق أولا من حاجة الأحزاب الدينية إلى “حليف”، وسيفترض أيضا أن تهجر شعاراتها وأرضيتها الفكرية صوب أخرى أكثر نجاعة وحداثة.

التجارب العربية القليلة التي قدمت أمثلة عن تحالف بين أحزاب (بالمعنى الحقيقي للكلمة) وبين تيارات دينية، وفرت محاولة الأطراف المدنية جلب التيارات الدينية إلى مربع الفعل السياسي الديمقراطي، ووفرت كذلك استعدادا (ولو كان منطلقا من انتهازية) من التيارات الدينية للتجاوب مع ما تقتضيه التجربة الديمقراطية من شروط.

للتجربة محاسن كثيرة، بغض النظر عن النتائج الواقعية من ناحية الوصول إلى السلطة من عدمه، فهذا الشكل من التحالف ورغم ما يوحي به من تناقض أولي، هو إقرار ضمني من التيارات الدينية بمقتضيات الديمقراطية وبوجوب تخليها عن منطلقاتها الدينية والطائفية، وهو أيضا تمرين طويل ومرير في طريق تحولها الفعلي إلى أحزاب سياسية لا تعير اهتماما للانتماءات الدينية أو الطائفية، بل ينصب اهتمامها فقط على شروط المواطنة والقانون والدستور وصون الدولة.

تجربة الحزب الشيوعي العراقي في التحالف مع التيار الصدري، ورغم ما لاقته من انتقاد حدّ السخرية، إلا أنها مكنت بلا شك الشباب المنتمي إلى التيار الصدري، من منطلقات طائفية، على الاطلاع على شعارات وبرامج وحتى مصطلحات غير التي دأبوا على السماع لها، وستتيح لهم الاطلاع على أن ثمة أساليب أخرى للاحتجاج غير التطبير واللطم، وستسمح لهم بالتعرف على أنه ثمة برامج وبجدائل يمكن أن يستعيضوا بها عن المظلوميات والثارات.

مثلما مكنت الوثائق التي أسفرت عنها النقاشات التي دارت خلال تجربة 18 أكتوبر 2005 في تونس، الشباب المنتمي إلى حركة النهضة الإسلامية من التعرف على قضايا ومضامين سياسية حديثة من قبيل إعلان الحقوق والحريات حول حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين، ومن قبيل الإعلان المشترك حول العلاقة بين الدولة والدين، وأيضا على شاكلة العلاقة بين الإسلاميين والعلمانيين.

ولا شك أن هذه الوثائق وهذه التجربة هي التي صنعت الفارق السياسي والفكري بين أنصار النهضة ممن ظلوا في تونس، وبين قيادييها الذين هاجروا وظلوا على صلة وثيقة بأدبيات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

الثابت أن المعيار المحدد للتحالف بين تيارات سياسية متنافرة ومتناقضة، هو النجاعة أي مدى نجاح هذه التحالفات في تحقيق الأهداف التي طرحتها على نفسها،.

وحتى إن كان النجاح نسبيا أو ضئيلا أو منعدما، فإن للتجربة منافعها السياسية وأهمها وأولها إبعاد التيارات الإسلامية عن الأدبيات التي لا تنتمي إلى العصر، وجرها إلى مربع الفعل السياسي المدني حيث يتم فقط تطارح الأفكار والبرامج بعيدا عن الغلو والتشدد والتكفير والإقصاء.

فتحالف الحزب الشيوعي العراقي مع التيار الصدري مثلا لن ينتج تغييرا كبيرا على العملية السياسية الراهنة، لأسباب متداخلة بعضها متصل بالواقع السياسي العراقي- العراقي المتداخل والمعقد والخاضع للسيطرة الإيرانية، ولكن الثابت أن يمثل تمرينا سياسيا للأجيال القادمة حتى إن فشل في أن يستمر ويتواصل، وهو منتظر ووارد، والدليل القوي على فوائده القادمة هو ما لاقاه من نقد عارم من الأحزاب الطائفية الحاكمة التي تعاملت مع الحدث وكأنه ضرب من الخيانة، لا للوطن أو للمصداقية السياسية، بل للطائفة والمذهب.

12