جلسات "الونسة" تنسي الأفريقيات غربتهن في مصر

رقص وموسيقى ودورات تعليمية للاجئات الأفريقيات لاكتساب الخبرات والمهارات التي تساعدهن على الاستقرار الاجتماعي والنفسي والأسري.
الخميس 2020/02/20
جلسة تشيع الأمان

يتوه اللاجئون واللاجئات الأفارقة في أصقاع الدنيا لا يعرفون سبيلا لكسب قوتهم واستقرارهم الاجتماعي في دولة لا يعرفون لغتها ولا طباع ناسها، ولا يمتلكون مؤهلات علمية ومهنية تميزهم عن المجتمع الجديد الذي استقروا به، فتزداد حياتهم غربة وضياعا. في مصر سعت جمعيات خيرية إلى تنظيم جلسات أسبوعية لاحتواء اللاجئات الأفريقيات، ودعمهن نفسيا وتدريبهن على حرف تساعدهن على كسب قوتهن وكرامتهن.

القاهرة - داخل مجموعة من الغرف الصغيرة التي لا تتجاوز كل واحدة منها خمسة أمتار، تجتمع بشكل أسبوعي العشرات من اللاجئات الأفريقيات بصحبة أبنائهن بمقر مؤسسات اجتماعية مهتمة برعاية اللاجئات في مصر، للبحث عن طرق مبتكرة للاندماج والتقارب الفكري والثقافي في ما بينهن، وبحث الحلول الممكنة لمشكلاتهن التي عجزن عن مواجهتها، سواء كانت اجتماعية أو أسرية أو قانونية أو حتى اقتصادية.

تستهدف مؤسسات رعاية اللاجئات، النساء من جنسيات الدول الأفريقية، فهناك السودانيات والصوماليات والإثيوبيات والإريتريات، كل منهن تجد في هذه اللقاءات الأسبوعية ملاذا آمنا للهروب من قسوة الحياة واكتساب الخبرات والمهارات التي تساعدهن على الاستقرار الاجتماعي والنفسي والأسري داخل مصر، بعدما اخترنها وطنا بديلا.

وتكفي مراقبة ملامح النساء عند حضورهن إلى ملتقى اللاجئات، مقارنة بملامحهن عند انتهاء الفعاليات لملاحظة حجم الراحة النفسية التي يكتسبنها من المكان، وإن جئن محملات بمشكلات وأزمات وهموم لم يتم حلها.

يكفي أنهن عشن أجواء مرحة ومبهجة، واكتسبن صداقات جديدة من جنسيات مختلفة، وفضفضن عن أنفسهن ووجدن من يسمعهن ويقدر معاناتهن.

60 في المئة من أزمات اللاجئات تتعلق بالجانب الاقتصادي لذلك يبحثن عن حلول تساعدهن في تأمين الحد الأدنى من احتياجات أسرهن

وفي كل غرفة بعيدة، هناك عالم تعيش فيه لاجئات، ينعزلن عن مضايقات الشارع وعنصرية المارة والجيران، ويضعن تركيزهن في الساعات القليلة التي يقضينها مع رفيقاتهن بين جدران المكان. وفي غرفة أخرى قد يجلسن أمام مدرب موسيقى، وعلى مقربة منهن تتعلم سيدات أخريات مهارات التعامل مع الصدمة وبناء القدرات الخاصة، وهناك حجرة ثالثة مخصصة للدعم النفسي.

وتنتشر مقرات المؤسسات الخيرية التي تستهدف تحسين وضعية اللاجئات بمصر في محيط المناطق المعروفة بأنها أكبر تجمع للاجئين، مثل أرض اللواء ووسط البلد والمعادي والمقطم وعين شمس والجبل الأصفر في القاهرة، والهرم وفيصل بمحافظة الجيزة المتاخمة للقاهرة، ومع الوقت تحولت المؤسسات إلى ما يشبه السفارات الشعبية للاجئات وأطفالهن.

حلقات دائرية

اعتادت ماجدة إبراهيم، وهي أم سودانية، القيام بزيارة دورية برفقة أسرتها الصغيرة المكونة من ثلاثة أطفال، للقاء عائلتها الكبيرة من السيدات الأفريقيات، داخل مقر جمعية تفاؤل بحي فيصل الشعبي جنوب غرب القاهرة، حيث تتجمع اللاجئات في جلسات فضفضة أو جلسات ونسة كما يقال باللهجة السودانية، يتناولن أقداحا من القهوة، ويتحدثن في أمور حياتهن والمصاعب التي تواجههن.

تجلس اللاجئات في حلقات دائرية، وفي المنتصف سيدة تمتلك خبرة إعداد القهوة السودانية على نار هادئة، تتلمس منها السيدات دفء الصحبة والتعارف والتقارب بعدما فرقتهن عن عائلاتهن ظروف دفعتهن

للهجرة إلى مصر، وأبعدتهن عن أوطانهن أحداث متباينة، إما صراعات مسلحة وإما اضطرابات سياسية، ومهما اختلفت الأسباب، تبقى ظروفهن متشابهة.

درس تطبيقي في تقاليد الزواج
درس تطبيقي في تقاليد الزواج

قالت ماجدة لـ”العرب”، على هامش مشاركتها في جلسة للنساء أقامتها إحدى المؤسسات المهتمة بتحسين أوضاع اللاجئات، إن جلسات الفضفضة وسيلة مثالية للتنفيس عن الهموم والتخفيف من الضغوط من خلال المساعدة بالنصيحة أو خبرات الحياة أو تبادل الأفكار، فقد تتحدث واحدة منهن عن حلمها في تعلم مهنة تصفيف الشعر، وتحظى الفكرة بتأييد الحاضرات، وهنا يتحركن لتعلم الحرفة وإقامة المشروع.

وإذا انتهت جلسة الفضفضة ورحلت كل النساء بعد احتساء القهوة، فإن اللاجئات ينظرن إلى هذا اللقاء على أنه أخرج الطاقات السلبية من أجسادهن، وأحيانا يشارك متخصصون نفسيون في هذه الجلسات، ويستمعون للمشكلات التي تتحدث عنها السيدات، ويطرحون حلولا لها.

وتحظر هذه الجلسات النسائية الحديث عن الطائفية والانتماءات الدينية والخلافات السياسية، ما جعل من المؤسسات التي تعنى باللاجئات فضاء مثاليا تقصده الهاربات من جحيم العنصرية، فغاية الجلسات الأسبوعية البحث عن حياة يغلب عليها الطابع الإنساني والانسجام والتفاهم وتكوين علاقات أسرية بين أمهات وفتيات ذقن مرارة الغربة بعيدا عن أوطانهن، ومساعدتهن في العيش بأمان وسلام.

في هذه الفضاءات المثالية، تصطحب كل لاجئة عائلتها الصغيرة من الأبناء، لتتعرف على أمور جديدة يمكن أن تحسن من مستواها الاجتماعي والاقتصادي.

هناك ورش مجانية للتدريب على الحرف الصغيرة، مثل صناعة الإكسسوارات والحياكة والحُلي وتصميم الملابس، بحيث تصبح الواحدة منهن محترفة في تصنيع منتج معروف ببلدها وتبيعه لأبناء جنسيتها والمصريين كنوع من الاعتزاز بالتراث الخاص بالوطن، فضلا عن زيادة الدخل المادي.

ربط صداقات جديدة من جنسيات مختلفة
ربط صداقات جديدة من جنسيات مختلفة

وبهذه التربصات البسيطة في ظاهرها، امتلكت الكثيرات من اللاجئات مهارات فائقة في الحياكة وتصميم الملابس لأبنائهن دون أن يكن مضطرات لشرائها من الأسواق المصرية، حتى الحقائب المدرسية يتم تصميمها، وبالتالي يتم توفير أموال هذه المستلزمات لإنفاقها على أشياء أخرى مثل الأكل والشرب والدواء.
وتتبرع بعض اللاجئات السودانيات من المحترفات في رسم الحناء التي يشتهرن بها، بتدريب اللاجئات على امتهان الحرفة بشكل يساعدهن على زيادة مواردهن، وهو ما جعل من تجمعات اللاجئات مكانا يشبه الملتقى التدريبي الذي تخرج منه الواحدة منهن بحرفة تمكّنها من التغلب على بعض مشكلاتها الاقتصادية.

قالت إيمان طاهر، رئيسة مؤسسة “تفاؤل” لرعاية اللاجئات في لقاء مع “العرب”، إن 60 في المئة من أزمات اللاجئات تتعلق بالجانب الاقتصادي في حياتهن، لذلك يبحثن عن أي طريقة تساعدهن على توفير الحد الأدنى من احتياجات أسرهن، لافتة إلى أن الاهتمام بالنساء تحديدا يرتبط بأنهن من يتحملن المسؤولية الكاملة، لفقدان الزوج لأسباب مختلفة، ما يضع عليهن أعباء نفسية تفوق قدراتهن.

وأضافت “أزمة بعض المصريين في التعامل مع اللاجئين عموما، تتمثل في أنهم يصنفونهم ضمن فئة السياح والأغنياء، ويتعاملون معهم من منطلق الربح المادي، وهو ما يضاعف المعاناة على السيدات اللاجئات، حيث يدفعن أحيانا في إيجار منزل ضعف ما يدفعه المصريون، وأنا واحدة من هؤلاء، حيث يجبرني مالك المنزل على دفع ألفي جنيه، في حين أن جاري المصري يسكن بنصف هذا المبلغ”.

دروس في الحياة

تزداد معاناة اللاجئات من الجوانب الصحية لهن ولأبنائهن وتوفير معلوم الطبيب والدواء، لكن للمؤسسات الاجتماعية حلولا لهذه المشكلة، وذلك بعقد دورات مجانية للتعريف بطرق اكتشاف الأمراض والوقاية من الأوبئة عبر أطباء في تخصصات مختلفة.

الورش الطبية هذه تشجع اللاجئات الأفريقيات  على الاندماج بينهن عبر التلاقي في الأسئلة والاستفسارات والمخاوف والمطالب.

هذه فرصة استثنائية للحوار، قد لا تتواجد خارج جدران المؤسسات الخيرية، فقد تلتقي اللاجئات في الشارع، أو يتجاورن في السكن، لكن لا يتحدثن معا عن عللهن الصحية والنفسية، وحتى إن أفصحت إحداهن عن مرضها، إلا أنها في جلسات الفضفضة ما تلبث أن تجد حاضنة اجتماعية مع باقي النساء اللاتي تجتمع معهن أسبوعيا.

وإذا كانت اللاجئة تعاني الأمية، فإن هناك أياما مخصصة للمحاضرات التعليمية، يتم تقديمها عبر متخصصين في فهم لغة كل جنسية، حتى أن بعض المؤسسات تقدم ورشا تدريبية لفهم طبيعة المجتمع المصري المضيف وثقافته وطريقة التعامل مع المواطنين في الشارع ليكونوا أكثر اندماجا، ولتتجنب اللاجئات المضايقات من بعض المارة، وهناك دورات أخرى قانونية لتعريفهن بطرق الحصول على حقوقهن قانونيا.

حلقة رقص
حلقة رقص 

لا تنكر أم عابد، وهي لاجئة سودانية التقت بها “العرب” داخل إحدى الجلسات النسائية، أن التحرش اللفظي أكثر ما تعانيه اللاجئات، ما يسبب لهن ألما نفسيا، وقد أصبحت تشارك في المحاضرات النفسية التي توفرها المؤسسات المعنية بشؤون اللاجئات، حتى تكتسب خبرة التعامل مع هذه المضايقات.

وقالت “ليس شرطا أن أكتسب الخبرة والوعي من متخصصين نفسيين، فهناك لاجئات مثقفات يشاركن في الجلسات يدلين بآرائهن وأفكارهن لحماية النساء من التحرش والتلاسن والتنمر، فكثيرا ما تعرضت لذلك والتزمت الصمت، وأحيانا أبكي على حالي، لكن أصبحت أكثر شجاعة وقدرة على المواجهة الآن”.

وترتبط شكوى الكثير من اللاجئات بتعرضهن لمضايقات باختيارهن الاستقرار والعيش في أماكن شعبية لا ترتفع فيها تكلفة إيجار السكن.

ومعروف أن هذه المناطق تغلب عليها العشوائية وعدم الانضباط السلوكي لبعض الشباب.

أفكار جديدة للخروج من حالة الإحباط
أفكار جديدة للخروج من حالة الإحباط

وشاركت “العرب” في إحدى هذه الفعاليات المخصصة للاجئات وأسرهن، ورصدت عن قرب  الهدف من تجميع هؤلاء بشكل دوري، بغض النظر عن جنسياتهن، وهو إضفاء الراحة والسلام والمحبة بينهن وتجاوز الصعوبات الحياتية واتساع أفقهن وإكسابهن ثقافات وأفكارا وخبرات جديدة وإخراجهن من أجواء اليأس والإحباط التي يعشن فيها.

واستهدفت الفعالية إلمام اللاجئات بطقوس الزواج السوداني من لباس واحتفال للتقريب بين الثقافات، ففي قاعة صغيرة تتسع لنحو 50 لاجئة، يجلس شاب وفتاة يحملان الجنسية السودانية وسط العشرات من أصحاب البشرة السمراء، يؤديان دور العريس والعروس، وعلى مقربة منهما بعض الأطفال يرتدون ملابس تعبر عن التراث السوداني ويقدمون فقرات فنية وغنائية راقصة على أصوات الزغاريد النسائية.

ويتكرر المشهد ذاته في أيام أخرى، ولكن للتعريف بطقوس جنسية مختلفة، وتريد المؤسسات المعنية برعاية اللاجئات من وراء التقريب بين النساء ثقافيا، أن يتعرفن وأطفالهن على عادات وتقاليد بعضهن وتقريب المسافات بينهن، حتى يتم التسريع من وتيرة اندماجهن معا، بحيث يصبحن وكأنهن من بلد واحد لا تفرقهن الجنسية واللغة.

وتتسم أكثر تجمعات اللاجئات بالمرح والترفيه دون خوف من النظرات المريبة أو ردود الفعل الاستنكارية، ومع انتهاء اليوم تكون هناك جلسات راقصة على نغمات الموسيقى الأفريقية وكلمات الأغاني التي لا يفهمها غيرهن.

إضفاء الراحة والسلام والمحبة
إضفاء الراحة والسلام والمحبة

ويصعب على اللاجئة وسط ظروفها المعيشية الصعبة، في عملها أو حتى داخل منزلها، أن تمارس هواية الرقص لإسعاد نفسها ومداواة همومها بالمرح، لذلك تذهب لهذا التجمع النسائي الذي تتشابه ظروفه وتفاصيله حتى تتمايل مع الموسيقى وتندمج مع بنات جنسها من اللاجئات.

وتلجأ بعض المؤسسات المهتمة برعاية اللاجئات، إلى إدراج الفن الراقص ضمن مشروعاتها الخدمية ليكون سلاح المرأة في مواجهة صدمات الغربة، حيث يتم الاعتماد على متدربات من جنسيات أفريقية مختلفة، لعقد جلسات تشرح أهمية فن الرقص الهادئ للترويح عن النفس وتجاوز ضغوط الحياة.

صحيح أن هذه النوعية من التجمعات بخدماتها المتنوعة أحدثت نقلة نسبية في حياة اللاجئات، لكنها تعكس بوضوح أن الشارع المصري مازالت عنده مشكلة في التعامل مع اللاجئين عموما.

20