جلسة تأبينية بمناسبة أربعينية الشاعر حسين عبداللطيف

الثلاثاء 2014/09/02
حسين عبداللطيف مدى مضيء في الشعرية العراقية لم ينل حقه من الدراسة والقراءة

حسين عبد اللطيف شاعر عراقي من مواليد بغداد عام 1945، وليس البصرة كما أشار بعض الأدباء إلى ذلك في مقالاتهم التي نشرت بعد رحيله. تمتد تجربته الشعرية إلى أكثر من أربعين عاما.

أول كتاباته الشعرية تعود إلى منتصف الستينات، حيث كتب في أصناف الشعر كافة، وترجمت بعض قصائده إلى لغات أجنبية. نشر في العديد من المجلات والصحف العربية والعراقية، والتي لها ثقلها الأدبي آنذاك.

ترأس حسين عبداللطيف اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في البصرة لدورات عديدة.

وقد كتب عن تجربته الشعرية وعن إصداراته عديد من النقاد والكتاب العراقيين والعرب، رغم أن ذلك لم يكن كافيا مقارنة بأهمية تجربة الشاعر.

اهتم عبداللطيف بالمشهد الثقافي العراقي والعربي، فكتب الكثير من المقالات، ولكنه صب جل اهتمامه في الشاعر الكبير “محمود البريكان” والرد على كل الالتباسات التي تنسب إلى شعره.


تجربة كبيرة


الشاعر من مؤسسي مجلة “الفكر الحي” التي أصدرتها تربية البصرة عام 1969. ساهم الشاعر الراحل بأنشطة عديدة في إرفاد الحركة الثقافية في البصرة، ففي أواخر تسعينات القرن المنصرم، أقام ملتقى الجمعة الأدبي، وأشرف على ملتقى الخميس في 2000-2001، الذي قدم الرعاية للمواهب الشابة والطاقات الواعدة، وهيأها للدخول في الوسط الأدبي.

فجع عبداللطيف بوفاة ولده البكر حازم، فكانت بداية أزمته الصحية. وقد صدر له: “على الطرقات أرقب المارة” و”نار القطرب” و”لم يعد يجدي النظر” إضافة إلى “أمير من أور” و”بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة ( متوالية هايكو )”.

وله كتاب مشترك مع المترجمة سحر أحمد وهو “بابلو نيرودا كتاب التساؤلات– حسين عبداللطيف كتاب الإجابات”. بعد وفاته بثلاثة أيام صدر له كتاب ” مقدمات السياب”، عن وزارة الثقافة العراقية.
"حياة ورق" معرض تشكيلي للفنان عبدالعزيز الدهر يحكي مسيرة حياة الشاعر حسين عبداللطيف مع الورق

كما للشاعر أيضا مخطوطة عن الحركة الأدبية في البصرة، تحمل عنوان “المد يأتي بالأشرعة – الحركة الأدبية في البصرة من1920 - 2012” ، فهي حلم من أحلامه التي عمل عليها. كما لحسين عبداللطيف محاولات مسرحية مختلفة، أشهرها “مسرحية السندباد” إضافة إلى مسرحية أخرى للأطفال.

فقد كتب في الفنون الشعبية البصرية، ولكن المخطوطة ضاعت، ولم يعد إلى كتابتها مرة أخرى. توفي الشاعر في منزله ظهر يوم الخميس الموافق 10/7/ 2014.

ورغم ثراء تجربة الشاعر ما جعله يعدّ من أهم التجارب الشعرية في العراق، فإنه عانى كثيرا من الحيف الذي تعرض له من قبل النقاد، حيث لم تنل تجربته ما تستحقه من الدرس رغم ثرائها.


وداع الشاعر


وقد أقام اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في البصرة، ضمن جلساته التي تقام كل سبت، وبحضور عدد كبير من المثقفين والأدباء في البصرة، إضافة إلى وفد من عائلة الفقيد وبالتعاون مع مينا كاليري للفنون التشكيلية التي يديرها الفنان التشكيلي العراقي عبدالعزيز الدهر، أصبوحة ثقافية يوم 30/8/2014، خصصت لتكون جلسة تأبينية للشاعر الراحل حسين عبداللطيف، إضافة إلى معرض تخطيطات ورسومات فنية للفنان التشكيلي عبدالعزيز الدهر حمل عنوان “حياة… ورق”، عن الراحل، إضافة إلى مشاركة لوحة الفنان علي مهدي، التي قدمها إلى عائلة الفقيد، وقدم خلال الجلسة عددا من المشاركات الشعرية والقراءات الأدبية الاستذكارية بحق الراحل، وقد أدار الجلسة الدكتور عامر السعد.

بدأت المشاركات بكلمة السعد التي أبن فيها الشاعر الراحل واستذكر مسيرته الشعرية ومدى تأثيرها على الوسط الأدبي في البصرة، ومن ثم بدأت المشاركات التي افتتحها رئيس فرع الاتحاد في البصرة الشاعر كريم جخيور بقصيدة جاء فيها : ” كنت هنا تجلس على الطرقات تقبع فينا نحن الذين مررنا عليك خفافاً وثقالا، تعلمنا وأخذنا منك وكانت رفقتنا حسنة، لا يخلو رقاص أيامها من عطل هنا، غضب هناك”.

حياة الشاعر كانت بين مطرقتين قاسيتين جداً: عوزه المادي المزمن وكبرياؤه

ومن ثم توالت المشاركات، فقد شارك في الجلسة عدد كبير من الكتاب والشعراء، وهم يلقون بكلماتهم في حق الشاعر الراحل وذكرياتهم، الكاتب والقاص إحسان وفيق السامرائي الذي اعتذر عن الحضور بسبب ظروفه الصحية، فقرأ كلمته بالنيابة عنه الدكتور عامر السعد حيث جاء في الكلمة توديع الراحل قائلاً : ” وداعاً يا شاعر الغيمات الحزينة وقصيدة الرفض والتحدي، وداعاً لروحك الممطرة وفاءً ومحبة، حسين عبداللطيف وكفى”.

من ثم تلتها كلمة للشاعر كاظم الحجاج، التي حملت عنوان “البصرة في المقهى – إلى حسين عبد اللطيف جداً” والتي يروي فيها ذكريات أسى الحروب التي مرّ بها العراق، والتي أكلت من أدبائها الكثيرين، وهذه الأخيرة أخذت من الأدباء وقودا لها، فكان مصيرهم القتل في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، جاء في الكلمة : ” في المقهى نجلس مهمومين ، ونشرب شاياً مهموماً، لا سكر في شايك، شايي لا بأس بسكره، في البصرة لا ثلج ..كما في باريس.. هنا لا تمطر أصلاً حتى تتبرد نار الحرب ” ابن الزفرة أشعلها”.

أما الناقد جميل الشبيبي فقد بين من خلال كلمته أن حياة الشاعر كانت بين مطرقتين قاسيتين جداً :عوزه المادي المزمن وكبريائه – الذي هو كبرياء شاعر متعالٍ على الهموم لكنه كان متوازناً مع نفسه ، بعيداً عن السرب، يبتكر المسرات الخاصة به… وأضاف الشبيبي: ” لقد كان الشاعر حسين عبداللطيف، بؤرة مضيئة في الشعرية العراقية، لم نعطها حقها من الدراسة والقراءة وكان ذلك يغرقه في الحزن، إذ يرى آخرين أقل موهبة وحضورا يجدون ما لا يستحقون من الثناء وكثافة في الكتابة عنهم ..”.

بينما وضح الدكتور سلمان القاصد عمق تجربة الراحل والاختصار المتميز في أسلوبه الشعري، والذي اعتبره اختراعا جديدا، فهو يخلق من الأسلوب اللانبطي أسلوبا نبطيا، وحين يكتب قصيدته، يعتبرها هي القصيدة الأخيرة، ولكن تمتد به الحياة ليكتب قصيدة أخرى حسبما أشار القاصد.


تجربة كبيرة


أما الدكتور حسن فالح فقد وضح للحضور الأيام التي عاشها مع الشاعر أيام الدراسة والعلاقة الجميلة التي ارتبط بها الراحل مع الشاعر القتيل “محمود البريكان” وعلاقته الحميمة معه أيام الدراسة في معهد المعلمين، وعلاقة الشاعر مع الوسط الأدبي العربي فقد كان على علاقة مع أشهر الأدباء والكتاب العرب، أبرزهم أدونيس ومحمد عفيفي مطر، إن الراحل كان يعتبر الورقة الرابحة شعريا لكل أديب مبتدئ.

شاعر متعال على الهموم، متوازن مع نفسه، بعيد عن السرب، يبتكر المسرات الخاصة به

وهو صاحب تجربة كبيرة وصاحب ذاكرة أدبية لا مثيل لها في البصرة فبمقدوره تذكر أي نص أدبي على الرغم من الجراحات والآلام التي حلت به . أما الورقة الأخيرة فكانت للشاعر رمزي حسن، والتي تطرق فيها إلى تجربة الهايكو الشعرية التي تميز بها.

وقد تضمنت هذه المناسبة مشاركات شعرية لعدد من الشعراء البصريين وهم : فوزي السعد وقصيدته بعنوان، محمد صالح عبدالرضا، سعدون البهادلي محسن ثامر، عدنان علي شجر، كاظم مزهر، عبود هاشم …واختتمت الجلسة بقراءة مؤيد حنون لإحدى قصائد الراحل والتي حملت عنوان “ودائع”.

وفي سؤال وجهناه إلى الرسام عبدالعزيز الدهر عن إقامة هذا المعرض الفني وعن علاقته بالراحل أكد الدهر أن الراحل.. من الشعراء المجيدين الذين تركوا بصمة ليس بالشعر العراقي فحسب، وإنما بالشعر العربي، وتربطه به علاقة جميلة، وهو مواكب لمسيرته الشعرية ومتابع له وكان يتمنى أن يخلد له أعماله الشعرية رسماَ.

أما المعرض الذي حمل عنوان “حياة ورق” أراد أن يعبر من خلاله عن مسيرة الحياة وتقاربه مع الورق، التي لا يترك سوى أعماله المدونة، والتي يستذكره فيها الناس ” .

هذا وقد أفاد رئيس الاتحاد كريم جخيور في لقائنا معه على سعي اتحاد أدباء البصرة على استذكار الراحل في أحد مهرجانات المربد، والسعي الحثيث إلى تسمية أحدها باسمه، وقد بين سعي الاتحاد إلى استذكاره أدبيا بطباعة أعماله الأدبية، ليعرف الجميع من هو الراحل شعرياً، والسعي إلى الاستفادة من تجربته الشعرية.

15