"جلود وأقنعة" في تخليد تقليد تراثي يأبى الاندثار

الاثنين 2014/10/13
إخفاء الملامح الطبيعية في إجراء فني يبتغي إبراز علامات التميز

أغادير- ضمن تظاهرة غنية بالألوان والمشاهد والرموز والروائح والأصوات والإيحاءات، احتضنت مدينة إنزكان يومي 11 و 12 أكتوبر الدورة الثالثة لكرنفال “بيلماون بودماون” تحت شعار “الذاكرة والهوية في خدمة التنمية”.

قام عدد من شباب مدن محافظة أغادير بكرنفال استعراضي، مساء يومي السبت والأحد الماضيين، إحياء لمهرجان “بيلماون بودماون” الأمازيغي “الجلود والأقنعة” التراثي.

وانطلقت المسيرة التي تعتبر أهم محطة في فعاليات الدورة الثالثة من مهرجان “بيلماون بودماون” من أمام المسرح البلدي القديم بمدينة إنزكان وجابت مختلف الشوارع الرئيسية إلى أن استقر بها المقام بمدينة الدشيرة الجهادية. ونظمت الدورة الحالية تحت شعار “الذاكرة والهوية في خدمة التنمية”، وامتدت فعالياتها على مدار يومين.

ومهرجان “بيلماون بودماون” هو مهرجان يعنى بتراث ثقافي ضارب في القدم، يتم خلاله تجسيد شخصيات خرافية بواسطة جلود الحيوانات، حيث تربط الماضي بالحاضر في قالب من السخرية المقرونة بأهازيج محلية وقوالب فولكلورية جذابة.

مهرجان "بيلماون بودماون" يعنى بتراث ثقافي قديم

وليس من الغريب أن تستفز مثل هذه الممارسة الثقافية، التي تحمل في طياتها رسائل رمزية وتاريخية عميقة ومتأصلة، عددا من الدارسين الذين ما انفكوا يرون فيها بوتقة لاستنطاق المسكوت عنه وبؤرة لمساءلة الذاكرة الجماعية وما تختزنه من معتقدات، بما ترسخ فيها من عادات وتقاليد وتمثلات تعود إلى أحقاب غابرة.

والحال أن الأمر يتعلق بنفس التظاهرة التي أصبحت، بحكم انتشار ممارستها، تحمل أسماء متعددة في المغرب باختلاف المناطق من “بوجلود” إلى ” بيلماون” أو “بولبطاين” أو “هرما” و”باشيخ” أو “سونا” في شمال المغرب الشرقي، وصولا إلى الجزائر حيث تسمى في عدد من المناطق “بوعفيف” أو “بابا الحاج”.

بل إن المهتم يجد نفسه أمام نفس الظاهرة في جزر الكناري القريبة أو أمام كرنفال “البرنكيا” في كولومبيا، ما يستفز الدارسين لشحذ قدراتهم على الاشتغال سويا في أفق فك شفرات معتقدات مشتركة مهما أوغلت في القدم.لكن، ما علاقة هذا كله بتقليد بيلماون في إنزكان؟

تؤكد وثيقة لمؤسسة المبادرات التنموية لعمالة إنزكان آيت ملول أنه في كل زقاق أو في كل حي، تبذل كل مجموعة من الشباب قصارى جهدها لمساعدة بعضهم البعض في ضم ولف الأنسجة الجلدية التي أعدت سلفا بشكل دقيق، حيث قد يتجاوز كساء فرد واحد أكثر من خــمسة جلود بحسب الطول والبــنية.

بهذا الهاجس، تشتغل كل مجموعة على تصميم أزيائها وتحضير معداتها ولوازمها وتزيين أكسيتها المتنكرة بألوان مثيرة أحيانا وغريبة أحيانا أخرى، بما يساعد على إخفاء الملامح الطبيعية في إجراء فني يبتغي إبراز علامات التميز و التفرد، وكذا عناصر الفرجة والغرابة ضمن قالب إبداعي تمتزج فيه القوالب التقليدية بأسئلة الحداثة.

تشتغل كل مجموعة على تصميم أزيائها وتحضير معداتها ولوازمها

والمؤكد وفق ما تروي الذاكرة الشعبية أن مظاهر الاحتفال كانت فيما مضى يؤثثها صراخ الأطفال والنساء الممزوج بملامح الدهشة والانبهار حيث يسعى الجميع إلى لمس حوافر الأضحية المذكية بأيديهم أو إلى وضعها على أكتافهم.

وإذا كان عدد من المعتقدات يشير إلى أن هذه الممارسات يقصد بها استجلاب بركة ما أو حسن طالع أو طرد مكروه أو تحقيق أمنية أو جلب رزق، فإن المؤكد أن “بيلماون” كان وما يزال فضاء من الفرجة والمرح تتنافس فيه مجموعات شبابية للتعبير عن قدرتها على الإبداع والابتكار ورسم لوحات فنية واستعراضية.

وبهذا المعنى، يغدو "أسايس" مقابلا للحلقات الإغريقية القديمة أو صيغة متجددة لظاهرة "مسرح الشارع" في عدد من البلدان الحديثة التي تنتصر للتعبيرات الشعبية بما تتضمنه من رسائل و إشارات ذات بعد فني وثقافي واجتماعي وإنساني تبتغي إرســـالها.

لكن من أين يستمد “بيلماون” كل هذه القدرة التاريخية على الصمود، الجواب على لسان محمد المخ، عضو مكتب مؤسسة المبادرات التنموية لعمالة إنزكان، الهيئة المشرفة على تنظيم الدورة الثالثة للكرنفال، الذي يؤكد أن مدينة إنزكان لا تدخر إمكانيات لتكون في مصاف مدن أخرى بدأت بإمكانيات بسيطة و بأعداد صغيرة جدا وأثبتت موقعها كموعد ثابت في الأجندات الثقافية والسياحية العالمية.

20