جليس الأطفال والقيصر

الأحد 2017/02/05

"من لم يستمع إلى صوت الحكمة، مات كمدا"، ربما هذه المقولة تنطبق على الإيطالي أنطونيو كاسانو الذي لم يحقق ما كان يصبو إليه عندما كان لاعبا فتيا تتهاتف عليه أعتى الفرق في العالم، لكن الحال تغير في الزمن الراهن، فاليوم وهو في سن الخامسة والثلاثين، لفظته كل الأندية وبات بلا فريق رغم إصراره على مواصلة اللعب، راجيا أن يجد لفتة من أيّ فريق ينتشله من حالة الضياع وينقذه من فكرة قبول الاعتزال الإجباري.

الحكاية لها جذور وتفاصيل بسيطة محفورة في ذاكرة هذا اللاعب الذي عرف بكونه متقلب المزاج والهوى، وعرف أيضا بكونه سليط اللسان وسلوكه غير منضبط، لكن رغم ذلك كان لاعبا فذا وموهبة لا تقدر بثمن.

كاسانو بدأ مسيرته مع نادي باري ثم انتقل إلى نادي ليتشي، لمع بشكل لافت وقدم أوراق اعتماده بكونه موهبة منفردة خلال آخر سنوات التسعينات من القرن الماضي، كان الجميع يعوّل عليه كي يثبت جدارته بقيادة الفرق التي يلعب لها وكذلك المنتخب الإيطالي إلى تحقيق البطولات، هذا النجاح الأولي فتح له الأبواب على مصراعيها وجلب له اهتمام كل الأندية الكبيرة في إيطاليا وأوروبا.

لهث وراءه اليوفي طويلا، لكن كاسانو كان مغرما كثيرا بنجم نادي روما فرانشيسكو توتي، وكان حلمه اللعب إلى جانب “القيصر” مهما كلفه ذلك، كان لا يدرك جديا الطريق الآمن كي ينحت مسيرة رائعة وموفقة، وخطواته لم تكن مدروسة بالشكل المطلوب.

تحقق حلم كاسانو المشاكس وتحول إلى روما في صفقة تاريخية آنذاك، وتحديدا في صيف سنة 2001، ليبدأ حقبة جديدة في بداية مسيرته الواعدة.

بعد بداية صعبة نسبيا، نجح كاسانو في موسمه الثاني في حضرة “قيصر” روما، استمتع باللعب معه وأمتع، ليحق له اللعب لفائدة منتخب “الأزوري” الإيطالي، وكانت أهدافه عديدة ومساهمته فعالة في فوز فريقه في تلك الفترة.

ومع ذلك، بدأت الأمور تتغير شيئا فشيئا، فهذا اللاعب سريع الانفعال ومتقلب الطبع، والذي لا يخشى الدخول في صدامات مع المدربين والمسؤولين، دخل في خلاف حاد مع مدرب الفريق آنذاك كابيلو، فأبعد في مرحلة أولى قبل أن يتم تطويق الخلاف، لتمر الأيام والأشهر ويعود كاسانو إلى الواجهة في روما بفضل نصائح توتي الذي ساعده على التأقلم مع ظروف النادي ومحيطه.

مرت أشهر أخرى، عانى خلالها الفريق من أزمة نتائج، فغادر كابيلو وقدم مدربون آخرون لم يطل بهم المقام في “إمبراطورية” روما، لكن القاسم المشترك بينهم أن كاسانو تشاجر مع جميعهم ولم ينسجم معهم بالشكل المطلوب، ليس العيب فيهم، بل في طباع هذا اللاعب الحادة وشخصيته المتقلبة.

لم يكن كاسانو يفكر في كل خطوة يقوم بها، فدخل في صراع مع إدارة روما صائفة 2005، لم يكن يرغب في تجديد عقده دون تحسين راتبه، لكن ذلك لم يحصل، ليقرر فجأة الرحيل، لتنهال عليه العروض، حيث جدد اليوفنتوس رغبته الملحة في التعاقد معه وطلب وده أنتر ميلان ورحب ريال مدريد بفكرة ضمه.

في تلك الفترة كانت له جلسة خاصة مع قدوته وصديقه توتي، هذا الأخير نصحه بضرورة التروّي، قال له “فكّر مليا صديقي قبل المغادرة، بمقدورك صنع مجد تاريخي في فريق العاصمة، لكن إن أردت الرحيل فلا تغادر إيطاليا”.

كان أمام هذا اللاعب عدة خيارات، حيث فكّر في الالتحاق بمدربه السابق كابيلو في اليوفي، خاصة وأنه أكد في تلك الفترة أنه يحن كثيرا لمدربه ويعتبره مثل والده، بيد أن كاسانو “ركب رأسه”، ليتوجه رأسا إلى القلعة البيضاء، قلعة ريال مدريد، فقضى هناك موسما ونصف الموسم.

تجربة قصيرة تحدث عنها هذا اللاعب قائلا "إنها تجربة مدمّرة"، بل كان قراره بالرحيل إلى مدريد أكبر خطأ يرتكبه في مسيرته الرياضية، حيث لم يتأقلم مع الفريق وحصد فشلا ذريعا دفعه إلى العودة مجددا إلى إيطاليا. ندم كثيرا، خاصة أنه عاش على وقع خلافات مع كابيلو في ريال مدريد، ليقول بشأنه “لقد دافعت عنك كثيرا سابقا، وليس هكذا تتم مكافأتي”، لقد تحدث عن قرار كابيلو بإخراجه من حساباته نهائيا، ليعود إلى الوراء ويعض أصابعه ندما على قرار الرحيل عن العاصمة روما.

عاد إلى الوراء ولعب مع سامبدوريا على سبيل الإعارة، لكن برصيد معبأ من المشاكل أكثر من التتويجات والألقاب، لم يكن مردوده جيدا بالشكل المطلوب، لينتقل بعدها إلى الميلان ثم الأنتر، لكن حلم العودة إلى روما ولىّ وانتهى، فمن الصعب للغاية نزع بعض الصفحات من التاريخ وكتابته من جديد.

مع تقدمه في العمر، لم يعد كاسانو ذلك اللاعب المرغوب فيه، بل لعب مع فرق متوسطة المستوى والطموحات مثل سامبدوريا وبارما وبقي في الفناء الخارجي لنادي الناجحين في إيطاليا.

في الموسم الجديد انتهى عقده مع سامبدوريا، فبقي دون نشاط ولم يرض أيّ فريق بالتعاقد مع لاعب بلغ من العمر عتيا، لكن كاسانو مازال مصرا على اللعب، قال يائسا إنه إذا لم يجد فرصة للعب مرة أخرى، فإنه سيعمل “جليس أطفال”، ففكرة الاعتزال لديه أشبه “بالانتحار أو الموت البطيء”.

“جليس الأطفال” مازال إلى اليوم يعض أصابعه ندما، ولسان حاله يقول “لماذا لم أستمع لنصائح القيصر؟ لماذا غادرت الفريق المحبب لديّ؟”.

اليوم لم يعد ينفع الندم، وقد يضطر كاسانو الذي لم يحظ بأيّ التفاتة من كل الفرق الإيطالية وغيرها إلى مجالسة الأطفال، لكن هذه الوظيفة تتطلب صدرا رحبا وشخصية هادئة، وكاسانو أبعد ما يكون عن امتلاك هذه المواصفات.

كاتب صحافي تونسي

23