جليلة تختصر معاناة المرأة السورية في حزمة مشاهد

الجمعة 2014/12/26
توثيق مسيرة المرأة السورية ومساهمتها في الثورة

لعلّ المرأة السوريّة هي كبرى الضحايا في الحرب الدائرة اليوم في سوريا، فهي أمّ الشهيد وأخت الشهيد وزوجة الشهيد وحبيبته. بين النساء من تمّ اعتقالهنّ واغتصابهنّ في مسعى بائس لقهرهنّ ودفعهنّ إلى الاستسلام وتشجيع الثوّار على التراجع والتقهقر، أي محاولة جعلها عنواناً لهزيمة السوريّ في ثورته، لكنّ “جليلة” الحرّة تثابر على موقفها الإنسانيّ في الصمود في وجه الجلّاد، رغم هول ما عانته وتعانيه، وفداحة خساراتها الأليمة، وهي تدرك تمام الإدراك أنّ بقاء النظام الذي قتل مئات الآلاف، وشرّد الملايين من أبناء البلد، سيعني عقوداً من الظلم والظلام، وسيعني تدمير أجيال من النساء مستقبلاً.

يحاول السوري عدان جتّو أن يوثٌّق في فيلمه الوثائقي “جليلة” واقع المرأة السوريّة، ومشاركتها في الثورة منذ انطلاقتها، مروراً بمختلف المنعطفات التي مرّت بها، والتي ما تزال تصمد في وجه أعتى عدوان يشهده العالم المعاصر، وتنقله وسائل الإعلام نقلاً حيّاً ومباشراً، من دون أن يحضر سعي حقيقيّ لإيقاف الجريمة المتعاظمة بحقّ الوطن وأبنائه.

“جليلة”، ليست مرأة سوريّة بعينها، هي كلّ النساء السوريّات اللائي شاركن في الثورة وساهمن في مجابهة الطغيان وتحدّي الإجرام. ورغم ما طالهنّ من اعتقال وتشريد واعتداء فإنّ الأمل بالغد يكاد يضمّد جراح الأمس واليوم، والقلوب النازفة على وطن يتمّ تدميره تجد سلواها في خلاص منشود.

يلتقط الفيلم مشاهد من مختلف المدن السوريّة، “دمشق، درعا، حماة، حلب، إدلب، كوباني.. وغيرها”، يقتفي أثر مشاركة المرأة في الثورة منذ اليوم الأوّل، والمظاهرة الأولى، ومن ثمّ تحكي بعض المعتقلات عن واقع اعتقالهنّ والتعذيب الوحشيّ الذي تعرّضهن له، ثمّ إصرارهنّ على الاستمرار في المشاركة بأكثر من طريقة.

يرصد جتو جانباً من مشاركة المرأة في الحياة المدنية والعسكرية في المناطق المحرّرة من سيطرة النظام، وكيف أنّها تشارك في الشرطة والطبابة والإغاثة، وتحمل السلاح أحياناً يداً بيد مع الرجال، وتدافع عن مدينتها، وتضحّي في سبيلها.
بين النساء من تم اعتقالهن واغتصابهن في مسعى بائس لقهرهن ودفعهن إلى الاستسلام وتشجيع الثوار على التراجع

يحتوي الفيلم على مشاهد للحظات إنسانيّة مؤثّرة وعميقة، كصورة المرأة العجوز التي تذرف الدموع بصمت، وتعبر عن مأساة وطن، يرنو إلى الأفق، ورغم الحزن الذي يقهرها تحمل شرارة أمل، وتنشد ترتيلة الخلاص، وكأنّها تهدهد أساها ووجومها.

مشهد الشاب المتزوّج حديثاً، ومساهمته في الدفاع المدنيّ مع عروسه، يرمز إلى ذروة التكاتف والإيثار، خاصة حين يعبّر ببهجة أنّ سعادتهما تكمن في إسعاف الجرحى ومساعدة المحتاجين وإغاثتهم، بحيث أنّ التشاركية تحتلّ الصدارة في أيّ عمل، وهي بوّابة لسوريا الجديدة المنشودة.

تتحدّث بعض المشاركات في الفيلم عن محاولات استلاب الثورة وسرقتها من قبل المتطرّفين والمتشدّدين والتكفيريّين، الذين حاولوا ويحاولون تشويه جمالياتها، ومشاركة النظام الإجرام والاعتداء ومصادرة الحقوق وممارسة نوع من الحجر على المرأة، في حين أنّ ذلك مسعى تعيس يعبر عن خواء وجهل بالمرأة السوريّة الثائرة.يستعين المخرج ببعض المقاطع من اليوتيوب، وخاصة تلك التي تعود للمراحل الأولى من الثورة، ويدمج بعض مشاهد إلقاء البراميل المتفجّرة على المدن، وكيف يهبّ الناس، رجالاً ونساء، لإنقاذ الجرحى والمصابين وإخراج الشهداء من تحت الأنقاض.

يمزج جتو بين البسمة والدمعة في فيلمه، وينير على جوانب من مساهمة المرأة في الحياة العامة السوريّة في المناطق المحاصرة، وتلك التي تتعرّض للعـدوان بشكل مستمرّ، ويحاول نقل صوت المـرأة إلـى الآخر، الصوت الذي يظلّ نقيّاً معبّراً عن أحـلام السوريّين وآمالهم بمستقبل لائق لـ“جليلة”.

يبرز الفيلم دور المرأة في السلم وفي الحرب سواء بسواء، ويوثّق لجانب من المآسي، ولقطات من البطولات الواقعيّة، ويدفع إلى التفاؤل، وإن كان مغرقاً في الإيلام، بغد ينهض فيه الوطن من محنته، بمشاركة نسائه اللاتي يبقين اللبنة الأولى لكلّ بنيان مأمول.

21