جماعات الضغط اليهودية وسيلة الدوحة لكسب التحالفات في واشنطن

الدوحة اختارت أن تضخ عشرات الملايين من الدولارات لاستقطاب اللوبي اليهودي، المؤثر في الكونغرس وعلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطوة تفضح استماتة قطرية لدفع أي ثمن للخروج من المأزق الذي بات يثقل وضعها.
الجمعة 2018/07/06
مورتون كلاين، رئيس المنظمة الصهيونية الأميركية، حظي بزيارة خاصة إلى الدوحة التقى خلالها بالشيخ تميم

واشنطن – في جو من الألفة الشديدة تجمع بضع عشرات من بينهم أعضاء في الكونغرس ومسؤولون في الإدارة الأميركية الأسبوع الماضي على عشاء في أحد الأحياء الراقية في واشنطن على شرف وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني.

توجه وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين للوزير القطري، الذي كان جالسا بجواره، مشيدا بقوله “لقد كنت صديقا عظيما للولايات المتحدة”، في مشهد يختلف كل الاختلاف عما كان عليه الحال قبل عام.

في يونيو 2017، قطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر علاقاتها مع قطر بعد أن تأكد تورطها في إذكاء نيران الاضطرابات الإقليمية، سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها الدوحة، بدعمها للإرهاب من جهة، وادعائها محاربة الإرهاب من جهة أخرى.

 

نشرت وكالة رويترز تحقيقا يزيح الستار عن كواليس الحملة القطرية لاستمالة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة ومحاولة إقناعه بالضغط على الكونغرس الذي لم يغلق بعد ملف المشروع الذي تقدم به إد رويس رئيس لجنة الشؤون الخارجية لاعتبار قطر من الدول الراعية للإرهاب، والذي تعطل على إثر الأموال التي دفعتها الدوحة لبعض الشخصيات النافذة في الكونغرس لكن الفصل الأخير في هذه القضية لم يكتب بعد، خصوصا وأن التقارير عن الأموال القطرية المدفوعة للتأثير في الموقف الأميركي من أزمة المقاطعة لصالحها بغض النظر عن المصالح الأميركية بدأت تثير استياء وغضبا في الأوساط الأميركية.

في ذلك الوقت مر عشاء مع مسؤولين قطريين في مطعم بواشنطن لكسب تأييد أعضاء في الكونغرس في هدوء دون أن يشارك فيه أي فرد من أصحاب النفوذ في إدارة ترامب على حد قول واحد من المشاركين فيه.

وفي أعقاب المقاطعة نشر الرئيس دونالد ترامب تغريدات تشير إلى أن قطر تمول الإرهاب وذلك رغم أن مسؤولين أميركيين آخرين شددوا على كونها حليفا للولايات المتحدة.

وفي الخريف الماضي التقى ترامب بأمير قطر الشيخ تميم على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقال أحد أعضاء جماعات الضغط العاملين لحساب قطر إن رسالة الدوحة للولايات المتحدة تمثلت في أنها ستنفق المزيد من المال على القاعدة الأميركية في البلاد وتشتري المزيد من الطائرات من شركة بوينغ.

وفي غضون أسبوع من هذا اللقاء أعلنت شركة الخطوط الجوية القطرية أنها ستشتري ست طائرات من بوينغ قيمتها 2.16 مليار دولار. وامتنعت بوينغ عن التعقيب. كما التقى الشيخ تميم بترامب في البيت الأبيض في أبريل. لكن، هذه الصفقات وحدها لا تكفي للتأثير على الرئيس الأميركي وتغيير قناعة راسخة لديه بشأن دعم الدوحة للإرهاب، الأمر الذي دفعها إلى دفع أموال طائلة للوصول للمقربين من ترامب واستمالة أعضاء الكونغرس.

الطريق الأصعب

مر عام ولا تزال المقاطعة قائمة. وفيما تقول دول المقاطعة إن حلها لن يكون من الخارج بل من داخل البيت الخليجي، اختارت الدوحة الطريق الأصعب وانتهاج سياسة تعقد الوضع أكثر.

اختارت الدوحة، التي تمر بوضع اقتصادي صعب، أن تضخ عشرات الملايين من الدولارات لاستقطاب اللوبي اليهودي، المؤثر في الكونغرس وعلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في خطوة تفضح استماتة قطرية لدفع أي ثمن للخروج من المأزق الذي بات يثقل وضعها الداخلي ويؤثر على صورتها في الخارج، خاصة أن المقاطعة لاقت صدى كبيرا وتأييدا دوليا واسعا.

واطلعت وكالة رويترز على وثائق تثبت أن قطر استعانت ببعض الشخصيات المقرّبة من ترامب وتعهدت بضخ المليارات من الدولارات في استثمارات أميركية وتكفلت بمصروفات زيارات للدوحة.

وأنفقت قطر ما لا يقل عن 24 مليون دولار على الاستفادة من جماعات الضغط في واشنطن منذ بداية العام 2017. وتبين وثائق مقدمة لوزارة العدل أن ما أنفقته الدوحة على جماعات الضغط بلغ 8.5 مليون دولار في عامي 2015 و2016.

من بين الأسماء التي استعانت بها قطر بلدية نيويورك السابق رودي جولياني الذي قال إنه عمل لحساب القطريين في تحقيق، وزار الدوحة قبل أسابيع من اختياره محاميا شخصيا لترامب في أبريل الماضي.

وفي يناير رتبت جماعات الضغط القطرية سفر مورتون كلاين، رئيس المنظمة الصهيونية في أميركا، في الدرجة الأولى على الخطوط الجوية القطرية وحجزت له الإقامة في منتجع فندق شيراتون غراند الدوحة لحضور لقاءات مع قادة البلاد. ومن تلك اللقاءات اجتماع منفرد استمر ساعتين مع أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

وكان سبب الزيارة مناقشة برنامج أعدته قناة الجزيرة ينتقد أنصار إسرائيل في الولايات المتحدة. أثار فحوى البرنامج غضبا إسرائيليا سعت الدوحة لاستغلاله كنوع من الابتزاز وللتقرب من هذا اللوبي المؤثر في مركز القرار الأميركي.

وقال كلاين، عقب الزيارة، إن المسؤولين القطريين وعدوه بمنع عرض الفيلم الوثائقي وأيضا باستبعاد الكتب المناهضة للسامية في معرض للكتاب بالدوحة والعمل من أجل إطلاق سراح إسرائيليين مخطوفين.

ويشير تقرير لموقع “جويش أونلاين” أن هناك ضغطا مكثفا على المجتمع اليهودي الأميركي من قبل قطر منذ أواخر عام 2017. وكان ذلك يتم، في بعض الأحيان، عن طريق الهدايا وأحيانا أخرى عن طريق “التهديد”، في إشارة إلى موضوع الفيلم الوثائقي.

قطر أنفقت ما لا يقل عن 24 مليون دولار على الاستفادة من جماعات الضغط في واشنطن منذ بداية العام 2017

وجاء في التقرير أنه بالإضافة إلى دفع مبلغ 100 ألف دولار إلى المنظمة الصهيونية الأميركية وكذلك الرحلات المجانية لبعض أبرز الشخصيات الصهيونية، احتفظت قناة الجزيرة بالفيلم الوثائقي كنوع من أنواع الابتزاز.

بدأ التهديد في عام 2017، عندما بثت قناة الجزيرة سلسلة تحقيقات بعنوان “ذي لوبي” تكشف عن لوبي إسرائيلي في لندن. ويحكي قصة أحد العناصر السرية الذي كان يُشرف على الاجتماعات في لندن، مع بث مقطع فيديو لموظف في السفارة الإسرائيلية وهو يشرب في حانة ويتفاخر بتأثير نفوذه.

وفي 9 أكتوبر 2017، صرحت قناة الجزيرة بأنها ستقوم “قريبا” ببث جزء من التحقيقات الاستقصائية التي ستفضح النشطاء المؤيدين لإسرائيل سرا في واشنطن العاصمة. لكن هذا الفيلم الوثائقي لم يتم بثه.

قام المسؤولون القطريون بتغيير خطة التهديدات واستبدالها بخطة التودد، ولا سيما بعدما اختارت الدوحة نيك موزين، المساعد السابق للسيناتور تيد كروز، مقابل 50 ألف دولار شهريا (ولاحقا وصل الراتب إلى 300 ألف دولار شهريا) لمساعدتها في التقرب من أسماء نافذة في اللوبي اليهودي الأميركي.

نتيجة غير مرضية

رغم ما دفعته الدوحة من أموال والعمل الذي قامت به جماعات الضغط القطرية، فشلت في أن تخرج بأكثر من تصريح من هذه الشخصية اليهودية أو تلك، دون أن تتفاعل معها وسائل الإعلام المؤثرة ودون أن تقنع الأسماء القوية في اللوبي اليهودي.

ومن أبرز ما يدلل على ذلك تصريحات كلاين التي مازالت تنتقد قطر رغم زيارته مدفوعة الأجر للدوحة ولقاء الشيخ تميم. ومؤخرا انتقد كلاين تبرعات تقدمت بها الدوحة للمنظمة الصهيونية الأميركية بطريقة غير مباشرة، وذلك من خلال رجل الأعمال المؤيد لإسرائيل جوزيف اللحام.

وقال كلاين إنه إذا عرف أن الأموال أتت من قطر، فإنه كان سيعيدها على الفور. لكن، يبقى من أبرز الأدلة على فشل الإستراتيجية القطرية، موقف نيك موزين والذي أنهى به في الآونة الأخيرة علاقته مع قطر والتي تلقى على إثرها بعض الأموال والهدايا. ويرأس موزين شركة ستونينجتون ستراتيجيز للعلاقات العامة التي تنشط في العلاقات العامة وكانت الدوحة تعاقدت معها لتلميع صورتها في الخارج، إنهاء عملها لصالح قطر.

وذكرت شركة ستونينجتون ستراتيجيز أنها أنهت عملها لصالح قطر بعد أن أقام إليوت برويدي وهو جامع تبرعات جمهوري بارز وحليف لترامب دعوى قضائية ضدها استنادا إلى اتهامات بضلوعها في مساعدة الدوحة على اختراق رسائله الإلكترونية.

بين عشاء 2017 وعشاء 2018، قد يكون هناك تغيير في بعض التفاصيل البروتوكولية إلا أن الجوهر وفق مراقبين يبقى نفسه، وليس فيه ما يدل على نجاح محاولة الدوحة لاختراق اللوبي اليهودي، ليس لأن هذا اللوبي لا يتواصل مع قطر، بل لأن هذا اللوبي يستثمر جهوده وقواه ونفوذه لمصلحة إسرائيل وليس لمصلحة أي طرف آخر، وفي الظرف الراهن المصلحة أبعد ما يكون عن الدوحة.

6