جماعة الإخوان ترتب أوراقها بمبادرة واهية مع القاهرة

المبادرة تكشف عمق مأزق جماعة الإخوان التي تبدو حريصة الآن على إنقاذ قادتها بعد صدور أحكام بالإعدام ضد العديد منهمومواجهة تراجع الدعم الخارجي.
الأحد 2018/08/19
عمق مأزق الإخوان

القاهرة - أطلقت جماعة الإخوان في الذكرى الخامسة لفض اعتصام ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقاهرة، 14 أغسطس، مبادرة مصالحة جديدة ضمن سلسلة من المبادرات المباشرة وغير المباشرة، مع الحكومة المصرية، طالبت فيها بعقد انتخابات رئاسية جديدة بعد تشكيل حكومة ائتلاف وطني.

حملت المبادرة موجة واسعة من السخرية، لأن الجماعة مصرة على تجاهل الواقع على الأرض، ومصممة على أنها لا تزال قوية، وهو ما رأى فيه كثيرون تعبيرا عن اللامنطق مع حالها الفعلي الذي انكمش وضعفت فيه حيلها داخل مصر، وخارت قواها خارجها.

وتحرص الجماعة، أكثر من أي وقت مضى، على تفكيك أزمتها وإعادة تموضعها الإقليمي بإثبات تواجدها الدائم، ومحاولة عكس قوتها الزائفة عن طريق مبادرات وهمية تمثل مناورات لما هو سري وما هو معلن، وترمي في النهاية إلى تحقيق أهداف معينة.

وكشفت المبادرة عمق مأزق الإخوان. فالجماعة تبدو حريصة على إنقاذ قادتها خاصة بعد صدور أحكام بالإعدام ضد العديد منهم ومواجهة تراجع الدعم الخارجي أمام الأزمات الإقليمية، خاصة في تركيا التي تعيش أزمة اقتصادية طاحنة. بالإضافة إلى تصدع أجهزة الجماعة المسلحة، وباتت غير قادرة وعاجزة عن خلق موجات عنف جديدة.

وبدا من التوقيت أن الجماعة في وارد مراجعة تخندقها مع أنقرة مع اضطراب الرؤية بشأن مستقبل النظام التركي، واضعة أملها في واشنطن. لخدمة هذا الطرح، ركزت الجماعة على الترويج لنفسها كونها سلمية وقادرة على الاندماج والدخول في حوارات وطنية دون إقصاء أو استقطاب.

وتزعم الجماعة أن وضعها الحالي “نتيجة الإقصاء والظلم ضدها، وليس بسبب أيديولوجيتها وممارسة العنف”. وهي كذبة تحاول أن تستعيد بها قدرا من التعاطف معها، مع ميل قوى كثيرة إلى مراجعة مسألة أن الإخوان جناح إسلامي معتدل بعدما اكتشفوا أنهم رأس حربة لتنظيمات متطرفة.

حرصت الجماعة على إحراج النظام المصري عبر إثبات أنها تسعى للمصالحة، والممانعة تأتي من قبل القاهرة. ويظل رفع سقف المطالب والثبات على المواقف القديمة عبر المبادرة هدفه الموازنة بين ما هو معلن من قبل النظام من جهة، والظهور أمام أتباع الجماعة في موقف قوة وثبات من جهة أخرى.

وتنازلت جماعة الإخوان فعليا عن مطالبها القديمة، وأهمها عودة محمد مرسي إلى الحكم، لكنها تطالب النظام المصري من خلال قنوات اتصال غير معلنة بمطالب محددة لإتمام التسوية النهائية. ومن أهم هذه المطالب إعفاء القادة المحبوسين والهاربين بالخارج، أو تخفيف الأحكام الصادرة ضدهم.

ويستند هذا الطرح على صدور أحكام عديدة بالإعدامات ولم يتم تنفيذها عمليا، ما فهمته الجماعة على أنه إشارة إلى إمكانية العفو أو تمهيد لعدم سد الأبواب أمامها.

وترى الجماعة أنه ليس هناك ما يدفعها إلى إعلان مواقفها الجديدة تلك عبر مبادرة رسمية صادرة عن قيادتها ما دام سقف المطالب الأدنى لم تقع الاستجابة له، باعتبار أن الدولة ترفض فكرة المصالحة مع الجماعة.

وتتمسك الحكومة بعدم تمكين الجماعة من فرصة العودة بالشكل والحضور اللذين تريدهما. وتوجست الجماعة من قرارات العفو الرئاسي التي تشمل البعض من شباب الإخوان المحكومين، فالإجراءات تتم من دون تفاهمات ثنائية. ويشي هذا الأمر بأن المراجعات التي جرى الحديث عنها من قبل شباب الجماعة سوف تزيد من الصدع الداخلي للإخوان.

وترمي تصورات الحكومة إلى تجريد الجماعة من أسلحتها الأمنية، كما تريد عزل الشباب عن الشيوخ وتشجيعهم على المراجعات. بالتالي يصبح الإخوان بلا أذرع أمنية وشبابية، ما يجعل المصالحة دون معنى. وتؤسس الجماعة مواقفها على إعاقة استراتيجية الحكومة حتى لا تؤتي بثمارها، فهي تنفي صلتها بالعنف حتى لا تظهر تأثرها السلبي بانتصارات أجهزة الأمن على التشكيلات المسلحة التابعة لها والحليفة.

وتحمل أي مبادرة جديدة رسالة لقواعد الجماعة، مفادها أنها لا تزال قادرة على إجراء تسويات بشكل لا يؤذي التنظيم، وهو ما يروج إعلاميا للتقليل من محاولات الأجهزة المصرية تهميش دور القيادة الرسمية للجماعة وفتح الباب واسعا أمام المبادرات الفردية التي تسهم في تفكيك بنية التنظيم وترسخ من انقساماته.

ويكشف التباين أن الجماعة في طريق عودتها وتنازلاتها تظهر السقف الأعلى للتحصل على الممكن من المطالب الأقل درجة بما يحفظ تماسك التنظيم. وتحرص الحكومة على انتهاج استراتيجية محددة للحفاظ على هيبتها ومؤسساتها وعدم الاعتراف بكيانات غير شرعية، ما يحجم الجماعة مستقبلا ويجعلها تدفع فاتورة تجاوزات ماضية.

أفرزت التجربة المصرية مع الإسلام السياسي، وفي مقدمته جماعة الإخوان، قناعات صارت ثوابت محددة لطبيعة التعاطي مع هذا التيار. ومن بين الثوابت: لا جلوس من طرف الحكومة أو من يمثلها مع قيادات تنظيم يزعم عرض مصالحة وتنازلات في حالة ضعفه، وعدم التسامح مع مرتكبي الجرائم التي تهدد الأمن والاستقرار، وعدم الدخول في مقايضات تمس هذا الثابت، وعدم إعطاء طرف خارجي فرصة الضغط على النظام بورقة محلية.

ما كان مقبولا في الماضي لم يعد مقبولا الآن، وجماعة الإخوان تدرك أن زمنها مضى والغرب لن يغامر من جديد بتحمل عبء فشل آخر، وحضورها في تركيا مؤقت والقاهرة التي تجتهد لمنع وصول الإخوان في ليبيا لن تقبل بها كقوة رئيسية في مصر.

3