جماعة "ميري كريسماس" أحيوا العروبة ثقافة وانتماء

الأحد 2016/09/11

المسيحية الشرقية خسرت من وزنها الديموغرافي، فالعديد من أبنائها في تقلص دائم ومتواصل، ليس بسبب العنف والقتل فقط، بل أيضا بسبب الهجرة هربا من الاضطهاد الرسمي وغياب أيّ حماية من الأنظمة، ولا نتجاهل العنف الدموي للتطرف الإسلامي قبل الدواعش أيضا.

المسيحيون العرب وعدد هائل من المسلمين أيضا يهاجرون بحثا عن مستقبل آمن في دول تعلمنا أن نكرهها ولكننا نصبو بكل طاقاتنا للحصول على إقامة وعمل وتعليم في ربوعها.

لا أعرف دوافع عضو اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب، لكنها سقطة لا تليق بقائد فلسطيني يمثل الشرعية الفلسطينية.

المسيحيون العرب وفي فلسطين خاصة، شكلوا التيار القومي العربي وطرحوا فكرا قوميا عربيا رافضين كل حركات التتريك أو البقاء ضمن الإمبراطورية العثمانية. والمسيحيون العرب أنقذوا اللغة العربية من التتريك. وهم أول من أدخل الطباعة للشرق العربي على أيدي الآباء اليسوعيين في لبنان. والإرساليات المسيحية هي أول من أنشأ المدارس للتنوير وتعليم أبناء العرب.

المسيحيون هم أول من أنشأ المستشفيات وأحضر الأطباء والدواء في وقت لم يكن من علاج إلا وصفات لم تستطيع مواجهة الحالات المرضية الصعبة وحالات الجراحة. المسيحيون العرب أبدعوا في الثقافة العربية وحرروها من سجن التخلف والأمية التي سادت بفضل العثمانيين

لـ600 سنة وأعطوها روحا ومكانة بين ثقافات الشعوب، وهل ننسى أن كل أدباء المهجر كانوا جميعهم من المسيحيين فقط، من جماعة "ميري كريسماس" يا رجوب؟

مع رجوب ودونه يتواصل التعامل مع المسيحيين العرب كجسم غريب، تتواصل الاعتداءات التي لا تصدّ بما تستحقه من حزم، ما زال الخوف يسيطر على الطوائف العربية المسيحية رغم الأصوات العقلانية، لكن الصوت لا يملك أسنانا وأظافر قادرة على الفعل الدفاعي، هنا لا بد من دور فعال وحازم للأنظمة التي من المفترض أن يشكل الرجوب أكثرها تنويرا وعدالة في التعامل مع المسيحيين الفلسطينيين، لكنه لبس قبّعة ولحق ربعه. هل هي سياسة جديدة يحاول عبرها الرجوب أن يفوز برئاسة السلطة الفلسطينية عبر إيجاد القبول في أوساط إسلامية معينة؟

الموضوع ليس جديدا، الاضطهاد الذي يعاني منه مسيحيو الشرق، لا يقع بعيدا عن الواقع الأسود للعالم العربي الذي يدفع ثمنه الجميع، مسلمون ومسيحيون.

شركاء في الأرض والوطن والقضية

حتى دون داعش، هناك الآلاف من الفتاوى التي تحرض على المسيحيين وتدعو لمعاداتهم وعدم المشاركة بأعيادهم ونبذهم وما هبّ ودبّ، وهذه الظاهرة بدأت تسود في مناطق السلطة الفلسطينية وفي غزة، وللأسف في أوساط هامشية داخل المجتمع العربي في إسرائيل. تصريحات الرجوب ستعطي شرعية مشوهة ودفعة قوية لهذه الظاهرة السلبية على المسيحيين والمسلمين سويّة.

هناك الآلاف من الخطب الدينية شكلا والعنصرية مضمونا، يضجّ بها الفضاء العربي دون رقيب، دون أن تشعل الأضواء الحمراء لما يريد للمجتمعات العربية من أن تقبر مستقبلها فيه فلماذا يزودها الرجوب بالوقود.. بقصد أو دونه؟

المسيحيون العرب في مختلف أقطار العالم العربي الممزق اليوم بالتطرف والجنون الطائفي القاتل للعقل، عانوا عبر كل تاريخهم من التطرف. ولا أبرّئ الأنظمة العربية حتى الوطنية منها التي تهاونت مع المتطرفين، ولم تطوّر قوانين تطرح المساواة بين المواطنين على اختلاف عقائدهم، لنصل اليوم إلى واقع يعاني منه المسلمون ليس أقل من معاناة المسيحيين.

إن ما نهجت عليه الدول العربية الوطنية من إفراز خانة للمسيحيين العرب وكأنهم عنصر دخيل على الفسيفساء الاجتماعية للمجتمعات العربية، متناسين أنهم كانوا من المحركات الأساسية لتطور الحضارة العربية الإسلامية ولتطور كل الفكر القومي العربي، قادنا اليوم إلى كل الظواهر التي تعيث دمارا بالوطن والإنسان، فالجميع يدفع ثمنها ولا فرق بين مسلم ومسيحي.

مواد التعليم مليئة بنصوص تعمّق ظاهرة العداء والرفض للمختلفين دينيا، بل والتحريض على كل من يدّعي أنه وطني عربي، لأن الوطنية، حسب الفكر الموبوء المريض هي “ظاهرة صليبية”، أو انحراف معاد للإسلام، كما يدعي صغار العقل، متجاهلين أن الإسلام كان يعني انطلاقة للقومية العربية أيضا.

للأسف حتى النظام المصري الوطني عامل المسيحيين الأقباط حسب قانون عثماني مضت عليه قرون طويلة، لدرجة أن أيّ عملية إصلاح بسيطة في كنيسة ما، تحتاج إلى مصادقة من المحافظ أو من الرئيس. هذا يذكرني بما كتبه المفكر المصري جلال أمين “إن تحرير الأقباط هو شرط ضروري لتحرير المسلمين”.

بعد “الربيع العربي” سمعنا أن النظام طرح “العهدة العمرية” كقاعدة للتعامل مع المسيحيين، ولا أظن أن أيّ عقلاني يقرأ “العهدة العمرية” سيرى بها حلا يضمن المساواة، إنما نهجا لا يمكن التعايش معه في وقتنا الراهن. حتى مجرد التأكيد أن الشريعة الإسلامية هي في الدستور، في دول متعددة الديانات والثقافات هو إبقاء الواقع السيء للأقليات رهنا لتصرفات السلطة والحركات المتطرفة.

المسيحيون في فلسطين كانوا يشكلون 17 بالمئة من مجمل المواطنين، نسبتهم اليوم أقل من 2 بالمئة. في القدس كانوا يشكلون 50 بالمئة عام 1920 اليوم لا يتجاوزون 5 بالمئة من مجمل السكان العرب في القدس وربما أقل.

عائلات مسيحية كثيرة هاجرت من غزة في فترة الاحتلال الإسرائيلي، وخاصة في فترة عرفات، نتيجة المضايقات والملاحقات الدينية من الإسلاميين وحماس خاصة.

ويجيء الرجوب مضيفا المزيد من التحريض والسخرية من أقلية فلسطينية، وصفهم حضرته بجماعة الميري كريسماس!

ما زلت أحتفظ بمقال نشره الأمير السعودي طلال بن عبدالعزيز في صحيفة النهار اللبنانية (29 يناير 2002)، تحت عنوان “بقاء المسيحيين العرب” كتب “إن ما يحدث للمسيحيين العرب نتاج بيئة تفترش التعصب والتطرف وبالتالي العنف المؤدي إلى كوارث تاريخية والأهم من ذلك كله فكرة إلغاء الآخر، وإن بقاءهم ترسيخ للدولة العصرية وللتنوع الثقافي وللتعددية وللديمقراطية ولمنع استنزاف الطاقات العلمية والثقافية من منطقتنا، وهجرتهم ضربة عميقة توجه إلى صميم مستقبلنا”.

واختتم مقاله بنداء “إن هجرة العرب المسيحيين في حال استمرارها ضربة عميقة توجه إلى صميم مستقبلنا. مهمتنا العاجلة منع هذه الهجرة، ترسيخ بقاء هذه الفئة العربية في شرقنا الواحد، والتطلع إلى هجرة معاكسة إذا أمكن”.

الصحافي المصري محمد حسنين هيكل كتب أيضا في وقته “أشعر، ولا بد أن غيري يشعرون، أن المشهد العربي كله سوف يختلف حضاريا وإنسانيا وسوف يصبح على وجه التأكيد أكثر فقرا وأقل ثراء لو أن ما يجري الآن من هجرة مسيحيي المشرق تُرك أمره للتجاهل أو التغافل أو للمخاوف. أي خسارة لو أحس مسيحيو المشرق أنه لا مستقبل لهم أو لأولادهم فيه، ثم بقي الإسلام وحيدا في المشرق لا يؤنس وحدته غير وجود اليهودية، بالتحديد أمامه في إسرائيل”. وكتب طارق حجي “الأقليات في الشرق الأوسط هي الموصل لعدوى التقدم والتحديث والسير مستقبلا”.

اليوم مع انتشار وباء الداعشية وسكاكين الذبح، تبدو الصورة قاتمة مليون مرة أكثر من العقدين السابقين، عالم عربي يتراجع للمئات من السنين، هذا ضمن أهداف الحركة الصهيونية أيضا، إبقاء العالم العربي في الحضيض. مجتمع مريض متنازع.

للأسف لم أجد حليفا للإستراتيجية الصهيونية أكثر من تصريحات الرجوب في ما قاله عن جماعة الميري كريسماس!

هل يتراجع الرجوب عن موقفه، لتبقى صفحته النضالية ناصعة؟

كاتب فلسطيني

6