جمال مليكة ينسج خيوط الأسطورة بالألوان

الفنان التشكيلي جمال مليكة لا يتصوّر الفن دون انغماس في التاريخ، ولا ينسى أنه من بلد أسهم في صنع الحضارة ونشر الفنون البصرية بامتياز.
السبت 2018/04/07
فصام بين الكتلة والطاقة

القاهرة- هل من الممكن عرض لوحة تشكيلية دون إطار؟ سؤال غرائبي يطرح ذاته افتراضيّا عند مطالعة أعمال فنية تبدو الأطر خانقة لها ومقيّدة لجموحها وفورانها، وكأنما كان الأحرى أن يرسم الفنان على الهواء، أو أن يُطلق مفرداته كي تتشظّى حرة وتقيم عالمها في الفضاء وتصطحب المتلقي معها بقوتها الجاذبة في رحلات إيهامية خارج الحدود.

هكذا، بعكس اتجاه المركز وجاذبية الأرض، يبحر خيال المتجوّل في معرض التشكيلي المصري جمال مليكة والمعنون بـ”الأسطورة” الذي أقيم مؤخرا في قاعة “بيكاسو” بالعاصمة المصرية القاهرة، حيث تشتبك البدايات والنهايات في معركة الوجود، ويتلاقى وجها لوجه الإنسان الصلصالي الأول مع الآخر المعدني؛ العولمي والكوني. وفي لقائه مع “العرب” يتحدّث مليكة عن هذه التجربة اللونية، التي فضّل أن يطلقها في وطنه مصر بعد إقامة طويلة في إيطاليا منذ أكثر من ثلاثين عاما.

 

لو أراد فنان تشكيلي تصوير أسطورة بالألوان، فما من أسطورة تفوق الإنسان ودواخله الخفية ومشاعره المتأججة، المعجونة بالسحر والأعاجيب والانفجارات الباعثة على الدهشة والجمال

رائحة الخلق والتشكّل هي أول ما يتنسّمه زائر معرض “الأسطورة”  للفنان جمال مليكة، الذي يطلق خميرة ذكرياته وحنينه للوطن الذي يعيش مغتربا عنه منذ سنوات طويلة، فلكأنه قد رحل عن مصر منذ الأزل، مع تكوين الإنسان البدائي، ليعود مطلّا في اللحظة الراهنة على ماضيه بعيون الإنسان الكوني، ذلك الكائن القادر على استيعاب كل شيء حسابيا، بقلب راجف الدقات.

منابع التاريخ

جمال مليكة، تشكيلي لا يتصوّر الفن دون انغماس في التاريخ، ولا ينسى أنه من بلد أسهم في صنع الحضارة ونشر الفنون البصرية بامتياز، وهو أكاديمي حاصل على الدكتوراه في التصوير وفي السينوغرافيا، ومتحصل على الصعيد العالمي على العديد من الجوائز والتكريمات البارزة، منها جائزة بينالي الفنون بإيطاليا، وجائزة بينالي القاهرة ولقب “نحّات العام” من صحيفة “إل” الايطالية في 2011، وغيرها.

وفي أعمال سابقة، قبل معرض “الأسطورة”، استوحى جمال مليكة الطبيعة المصرية في وقت الغروب مُقدّما رؤية تشكيلية خاصة لـ”أبو الهول” كمراقب تاريخي صحراوي لحركة البشر عبر الأزمنة المتتالية، كما قدّم معرضا كاملا في 2016 بعنوان “رجال من التاريخ”، طارحا بخامات متعدّدة تأملاّته لتلك الرؤية الدائرية للزمن، حيث تتجدّد الحياة، وتتعاقب الأجيال، وتُخلّد الأرواح بعد فناء الأجساد.

وفي معرضه الجديد “الأسطورة”، يحضر التاريخ أيضا بقوّته المعهودة في تجربة مليكة، من خلال رؤية أكثر تحرّرا، يتجاوز فيها الفنان التحديد إلى المزيد من التجريد، فالتاريخ لا يخص مجتمعا بشريا بعينه، إنما يخص الإنسانية كلها وحركتها في الزمن، نشأتها وتشكّلها وماضيها وحاضرها ومستقبلها، كتلتها المتماسكة والمنصهرة، طاقتها المتقدة وسيولتها الروحية.

ويرى جمال مليكة أن مثل هذا التجريد من الممكن أن يمنح فيوضاته فضاءات أرحب للتحليق، ويشير لـ”العرب” إلى أنه ترك ذاته لتحرّكها الحالة المتدفّقة بطلاقة، فتحديد المجال التعبيري قد يسجن العمل الفني في دوائر ضيّقة، ويحرمه مجال التواصل الرحب.

وهناك تجاوز للمعنى التقليدي للمكان، فالإنسان هنا هو الوطن، أو هو الذي يحمل مفهوما مغايرا للوطن بداخله، شأنه شأن المُغترب أو المنفيّ، الذي يبقى مقيما في ذاته، ويحمل في جوانياته ذكرياته وحنينه لبلاده.

البدائية والكونية

جمال مليكة:  التاريخ نقطة الانطلاق في تجربتي، وفي {الأسطورة} أتطلع إلى المزيد من التجريد
جمال مليكة:  التاريخ نقطة الانطلاق في تجربتي، وفي "الأسطورة" أتطلع إلى المزيد من التجريد

يقول جمال مليكة “يتسع المكان وفق هذا المنطلق ليصبح فضاء لانهائيا، بما يزيد من فرصة الديناميكية في الأعمال”. وبالتوازي مع الحركة في خارطة المكان الشاسعة، تتحرّك الأعمال فوق إحداثيات الزمن، ساردة حكاية الإنسان عبر العصور، ليس من خارجه، وإنما بلسان حال جيناته الوراثية وكروموسوماته المنطوية على صفاته وملامحه وأسراره.

نعم قد ينشغل الفنان بلحظة ما دون غيرها، أو تفصيلة مكانية معينة، لكن قدرة الفنان على تجاوز ما هو محدّد تظل مُمكنة من خلال حساسية الالتقاط والأسلوب التكنيكي المتّبع في العمل الفني، ويقول جمال مليكة “اللعب هنا هو سر تحطيم القيود”.

ويوضّح أن ما يعنيه باللعب، هو أن الإبداع دائما لعبة بريئة تفتح اللحظة على أزمنة مُتلاحقة وأمكنة في سائر الجهات، وهكذا يغدو اللعب بوصلة تقود إلى أن تقول اللوحة كل شيء، وفق تصوّرات كل فرد، ولا تنحصر في تأويل يقيني ثابت.

بين طرطشات الأزرق، وتردّدات البنيّات، تتحرّك فرشاة جمال مليكة، عاكسة هيولى المجهول، وعناصر الخلق، وغبار الجحيم، لتحكي الإنسان البدائي في مواجهة ذاته العارية، وقرينه الكوني في آن، علاوة على الاشتعال والاحتراق والانفجار والتشظي في مقابلة الخمود والسكون والتماسك والتجمد.

“هذه المُترادفات جميعا، والمُتضادات، هي أنا، وهي المحصّلة التي آل إليها الإنسان المطلّ علينا الآن، وعلى ذاته، وعلى تاريخه السحيق”، هكذا يقول جمال مليكة، مشيرا إلى رغبته في أن تكون اللوحات غير مكتملة إلاّ بتفسير ذاتي من المتلقي، لكي تتكشّف مُعطياتها الكلية بشكل مختلف بالتأكيد وفق حصيلة كل عين رائية.

ويرى مليكة أن الصراع الأكثر خطورة من صراع البدائية والكونية، هو ذلك الفصام بين الجسد والروح، فغياب الطاقة عن الكتلة يحوّلها إلى مادة صمّاء، وما يفتقده الإنسان في أزمنة تراجعه هو الروح التي قد تخبو وراء الأدخنة أو الماديات، فتتجرّد الحياة من حيويتها. “الأسطورة”، وصف يصلح للانسحاب على الإنسان القديم الذي كان، كما قد يصلح للتعبير عن كائن آدمي مُغترب، يتشكّك هو ذاته في أنه لا يزال موجودا.

13