جماليات الحرب

الثلاثاء 2014/08/19

هل يمكن العثور على بعض الجماليات في الحرب أم أنّها شرور وقباحات كلّها؟ ألا يتعارض الحديث عن أيّ جماليات مع ماهية الحرب؟ كيف يمكن أن تشتمل الحرب الموصومة بالانتهاكات والموبقات على ما يتناقض مع جوهرها؟ هل هي كالكيّ الذي يوصَف بأنّه آخر الدواء؟ كم من وشوم وندوب تنتجها وتخلّفها في الذواكر والأرواح، ويستحيل تطبيبها؟ هل يمكن الاستشفاء يوما من تداعيات الآثار المباشرة، العميقة والجانبية القاهرة للحرب؟

لربّما يثير الحديث عن أيّ جماليات للحرب سخرية مريرة عند البعض، ذلك أنّ الحرب تعتبر مصدر اللعنات ومرتع الشرور والدمار، وهي التي لا تكتفي بنسف الحاضر بل تنسف أركان المستقبل بتبديدها للثروات الطبيعيّة وتدميرها للبنى الاقتصادية والاجتماعية، وهدرها للثروة البشريّة التي هي أساس أيّ نهضة منشودة.

الحرب التي تشوّه دواخل الناس، وتحصد أرواح الكثيرين من الأبرياء، لا تكتفي بتغيير جغرافيّة الأماكن التي تنشب فيها، بل تغيّر طرائق التفكير والسلوك عند الناس. تظهر وسائل الحماية الذاتيّة بشكل أكثر قوّة، تتجلّى سبل الوصاية بشكل أعمق تأثيرا، يشعر المرء أنّه في مواجهة دائمة مفتوحة مع أعداء كثر، ما يوجب عليه الاستعداد الدائم لتلك المواجهة، والبقاء في حال تأهّب قصوى.

مَن يعيش ظروف الحرب وأجواءها يدرك أنّ الحرب تظهر مكنونات النفوس، تخرج أسوأ ما في النفس البشريّة من غلّ وحقد وظلم وإجرام واستغلال وابتزاز وجنون وانتقام وغير ذلك من العلل المتأصّلة في النفس. كما أنّها في الوقت نفسه تخرج أجمل وأسمى ما في النفس البشريّة لدى البعض أيضا من محبّة وتوادد وتراحم وافتداء وتضحية وغير ذلك من القيم النبيلة التي تضع الإيثار في سلّم الأولويّات، لتتراجع معها الأنانيّة إلى أقصى درجة.

لا تعني الحرب التخلّي عن القيم والأخلاقيّات، ولا يكون في شيطنة العدوّ وتنزيه الحليف ما يبرّر اللجوء إلى أقصى درجات العنف التي تبدو مرضا نفسيّا خطيرا. فكما أنّ للحرب قوانينها، يكون لها جمالياتها، لكن تلك الجماليات تكون بعيدة عن البطولات التي يتشدّق بها من كان بعيدا عن الميادين، ولا سيّما أنّ كلّ طرف يسبغ القداسة على حربه التي يعتبرها طريقه إلى فردوسه المشتهى والمرتقَب.

الفنون والآداب تظلّ جانبا من جوانب الجماليات التي تلتقط قبح الحروب وتنشرها عسى أن تساهم بقسطها في التخفيف من تأجيج النيران المستعرة منذ الجريمة الأولى المتمثّلة في قتل قابيل لأخيه هابيل، حيث أحفاد قابيل يتوارثون جينات القتل والأنانيّة والغرور، يُسكتون صوت الأخ المغتال في داخلهم، ويبقون أصابعهم ضاغطة على زناد البندقيّة لتستمرّ في إطلاق رصاصاتها في فضاء الإنسانيّة المهدورة.


كاتب من سوريا مقيم في لندن

15