جماليات الحوار وأخلاقياته

الاثنين 2017/06/05

الحوار المقروء أو المرئي، كلاهما، عطاء يجود به اثنان وهما في لحظة خاصة من وجودهما الثقافي أو الشعري أو النفسي. وهو، في تصوري، لا ينتمي بشكل قاطع ونهائي إلى واحد من طرفي هذا الحوار، بل إليهما معاً، يقدمان فيه ومن خلاله ما يجعلهما ندّين حميمين، مبرأين من شبهة الاستعراض ولوثة الأنانية الضيقة. إنه شراكة رحبة ومتفتحة في عطاء العقل وبوح القلب. فهو ليس منازلة لاختطاف الضوء من الطرف الآخر، بل هو دخول متحضر لكليهما في ميثاق رفيع المستوى، لصنع مساحة من البذل الخصب والمتبادل. وهو أيضاً فرصتهما معاً لتوسيع فضاء من التفاعل الكاشف الصريح.

والحوارات، مقروءة كانت أو مرئية، مدخل مهم إلى عوالم الكاتب الداخلية وإضاءة أساسية لخلفيته الاجتماعية وطفولته الإنسانية والمؤثرات البيئية التي أسهمت في تشكيل مزاجه االفردي وعقليته، وتركت آثاراً واضحة على مسار موهبته وتحولاتها اللاحقة.

غير أن إنجاز ذلك ليس مؤكداً دائماً ولا يتم بشكل آليٍّ ومفروغ منه. لا بد للمتحاورَين كليهما من أن يعد كل منهما نفسه بطريقة استثنائية. إن التفريط بفرصة الحوار يلحق أذىً مؤكداً بكلا الطرفين، ويتم ذلك حين يدخل طرفا الحوار كلاهما، أو أحدهما، إلى منصة الحوار مسلحاً بذاتية غليظة، واستعلاء على مهمته أو على شريكه فيها.

وفي ذاكرة كل واحد منا أمثلة عديدة على ذلك:

يحدث أحياناً أن الضيف، إذا كان شاعراً مثلاً، لم يحتشد للحظة اللقاء هذه، ثقافيّا ونفسيّا، كما ينبغي. لم يتحدث بلغة متوهجة تغترف من ذاكرة فياضة وخبرة حية. ولم يحضر وقد ارتوى من فيض تجربته، واستحضر منها ما ينعش الحديث، يضيء مآلات التلقي. حين يحدث ذلك تغيب البديهة ويدور اللسان في فراغ بارد، ثم يعتم الكلام بعد أن ينقطع عنه مصدر الضوء.

ونجد أحياناً أن الحوار لا يبارح القشرة الخارجية لتجربة الضيف. استغراق في الهامش، والجزئي من تجربة قد تكون غنية غنىً اسثنائياً. فيبدو هذا الحوار وكأنه حوار في الضواحي لا في المركز، أو في بدايات الماء لا في الماء نفسه. المحاور لا يجرؤ على اقتحام الأعماق، فلا طاقة له ربما بالدوامات المظلمة، ولا يفقه الكثير من نداءات الموج أو مكوناته الخفية.

هناك الكثير من الحوارات تصلح مثلاً للحوار المثمر الحميم. لكن الحوارات الأخرى، وهي كثيرة أيضاً، هي حوارات نيئة. لم تأخذ كفايتها من النار العميقة المتأنية. أسئلة تعوم على السطح، وانغمارٌ في الهامش دون المتن. وجهل بالضيف، ونقاط تميزه، أو نقاط الإثارة في منجزه النصي أو سيرته الإنسانية.

ولا بأس بتجربة شخصية أجدها في الصميم مما أنا فيه.

كان جهداً متميزاً، ذلك الذي بذلته الشاعرة والإعلامية البحرينية بروين حبيب، ذات يوم، وهي تستعد لحوار معي من حلقة واحدة في برنامجها المعروف على قناة دبي الفضائية. ثلاثة أسابيع وهي تحضر لذلك اللقاء. إصداراتي من الدواوين والكتب النثرية. الصور الفوتوغرافية، الأغلفة، ما صدر لي أو عني من كتابات نقدية. ما أُجريَ معي من لقاءات تلفزيونية، إضافة الى ما حصلتْ عليه بجهدها الخاص من معلومات وحوارات صحافية أو تلفزيونية.

حين دخلنا الأستوديو وبدأ التسجيل، أحْسَسْتُ وكأنها تقودني إلى نفسي وقصائدي وطفولتي برهافة عجيبة، بل كأنها تشاركني حياتي الماضية في قرى واسط العراقية، نطارد معاً طيور الحقل، ونتقافز بين الجداول ومنابت الكمأة. وكانت تشاركني أيضاً ذلك الاصطفاف الصباحي حين اكتشفتُ، ذاتَ خريف، هزةَ الشعر للمرة الأولى. كانت محاورتي قد اطلعت على الكثير مما كتبتُ، والكثير مما كُتبَ عني.

ولن أنسى تلك اللحظة الصادمة، حين طلبت مني قراءة البعض من نصوصي الشعرية. وفي منتصف إحدى القصائد، ارتبكتْ قراءتي قليلاً. فأوقفت التسجيل. شيءٌ عاديّ أن يعاد تسجيلُ كلامٍ ما حين يعتريه خلل أو تردد. غير أن المفاجئ في الأمر أن محاورتي فاجأتني بقولها: “المقطع ليس كما قرأته”. ثم نهضتْ بخفةٍ من مكانها إلى مجموعاتي الشعرية الموضوعة في ركن من الأستوديو. ناولتني الديوان الذي يشتمل على تلك القصيدة تحديداً. ألقيتُ نظرةً سريعةً على النصّ ثم استأنفنا التسجيل.

في تلك اللحظة لم تكن بروين حبيب محاورة تقليدية، بل شريكة بالغة الحيوية في صنع ذلك الحوار.

شاعر عراقي

14