جماليات الضجيج

الاثنين 2017/06/19

يؤدّي الصوت أدواراً كثيرة في الحياة، يحمل في طيّاته ونغماته وإيقاعاته أشياء وتفاصيل من روح ما يصدر عنه، يبدّد الصمت الذي قد يكون مرعباً في بعض الأحيان، ولا سيّما حين يزداد ويخيّم لمدد طويلة، بحيث يكون أيّ صوت، مهما بدأ ضئيلاً، مثيراً للحركة ومغيّراً للأجواء وباعثاً على الحياة.

لكلّ حالة صوتها، ضجيجها، نغمتها، إيقاعها، حياتها الضاجّة من خلال حركية الصوت فيها، فهمس العاشق مثلاً يختلف عن همس المذعور، وأنين اللذّة مختلف عن أنين الوجع، وكذا يعبّر كلّ تفصيل عن أكثر من حالة في الوقت نفسه، يمكن أن يكون حمّال دلالات وتأويلات أيضاً.

في كتابه الهامّ “الضجيج.. تاريخ إنساني للصوت والإصغاء” سرد المفكر البريطاني ديفد هندي حكايات تاريخية من الشرق والغرب، من آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا، مفصّلاً تعالق الأحداث مع الوقائع والتواريخ والأصوات، وكيف كانت ولا تزال تساهم في رسم صورة الإنسان في تاريخه وراهنه، وتبلور تصوره عن الكثير من الأشياء والأفكار والأصوات.

تحدث هندي عن الدفء الإنساني الذي غالباً ما ينبع من الضجيج، وحاول تتبع التاريخ الإنساني للصوت في مسعى لاستجلاء حقائق وتفاصيل تاريخية، وشدد على ضرورة البعد عن إدانة الإنسان وإرجاع المساوئ المتعلقة بالضجيج إليه، وكأن على البشر الانقراض ليسود هدوء ما، كما نبش تاريخ الضجيج الاحتجاجي من جهة، ويشير إلى مفارقة أن للأغنياء الحق في أن يكونوا حذرين، فقرع الطبول ونفخ الأبواق والغناء والصراخ كانت دائماً أصوات المحرومين الأصيلة، أولئك الذين يشعرون بأن صوتهم لا يسمع، ويجدون فرصة لإعطاء أسيادهم كلاماً كثيراً، ووسيلة لتأكيد كينونتهم وذواتهم.

يمكن للصوت أن يكون أداة احتجاج في يد الإنسان؛ في فمه، فحين يتمرّد أحدهم على الآخر، أو يخرج عليه بصيغة ما، تراه يقول أخفض صوتك، أو لا ترفع صوتك عليّ، أو يستنكر الصراخ في وجهه، ويطالبه بالصمت، أي يكون الصمت معادلاً للالتزام بالقانون الذي يفرضه صاحب السلطة في وجه الصائت الصارخ المحتجّ. كما يمكن للصوت أن يكون أداة إذعان، ووسيلة لبثّ الهزيمة، وذلك من خلال تجييره في خدمة الباحثين عن قمع الأصوات أنفسهم.

قد يوصف إنسان ما بأنّه أداة لاستخراج صوت بعينه، أو صوت لآخر يستخدمه ويوجّهه كسلاح؛ كبوق، إلى مناهضيه والمختلفين عنه. ولا يخلو أيّ زمن من وصف لأدباء بأنّهم أبواق السلطات، أي مفتعلو الضجيج المتمثّل في الزعيق والهتاف لها، ومحاولة تشويه الأصوات المناوئة لها، ويكون ضجيجهم الصاخب مؤشرا على الإفلاس والخيبة والهزيمة القارّة في نفوسهم، ويسعون بشتّى السبل لتصديره إلى الآخرين، وإظهار صوتهم الجهوري كرمز للقوّة في حين أنّه دليل هزيمة وجبن وضياع.

كاتب سوري

15