جماليات الوحش في باريس

الفنان الفرنسي يانيك أولريتش يستخدم الجسد والصورة ليكتشف رعب الذاكرة والعوالم الوحشيّة الداكنة.
الأحد 2019/05/19
طفولة أولريتش ومساحات الرعب

ينشط الفنان يانيك أولريتش على الساحتين الفرنسية والألمانيّة، وهو الذي علم نفسه بنفسه وتبنّى فن الأداء والتصوير الفوتوغرافي وتقنيات “فن الحركة”، ليكتشف جماليات التكوين الجسديّ، مستخدما لحمه وجلده كمساحة فنيّة يشكلها بالوشم والحركة والإيحاء، متجاوزا المفاهيم التقليديّة للشكل المتماسك المقلّم والنظيف نحو ذاك الغروتيسكي، المقنّع، خشن الحواف، جاعلا “شكله” انعكاسا للغريزة كمُحرّك ضمن الفضاء الفنيّ، لنشاهد في أعماله عوالم وحشيّة داكنة، وكائنات مقنّعة، قلقة، تثير الرعب، يتداخل فيها الإباحيّ مع الفنيّ، والدمويّ مع الفولاذي، ما يخلق فضاءات تغوي المشاهد وتزرع الدهشة داخله.

تشهد صالة سان بيير الفنيّة في العاصمة الفرنسيّة باريس معرضا يحتفي بمجلة “هاي-Hey!” للفن الغرائبي والوحشي، والتي نشاهد أعدادها ولوحات ومنحوتات للفنانين الذين شاركوا بها ضمن الصالة، لندخل عوالم خارجة عن المألوف تجمع بينها القسوة وجماليات الانتهاك، تلك التي لا ترى في الشكل الإنسانيّ نموذجا مثاليا بل شكلا من أشكال الهيمنة، إلى جانب رفضها للثقافة الشعبيّة القائمة واعتبارها شكلا من أشكال غسيل الدماغ.

المميز في المعرض هو احتفاؤه بتجربة أولريتش الفنيّة كونه من مؤسسي المجلة الأوائل والناشطين ضمن فعالياتها، إذ نرى بداية مجموعة من الصور التي التقطها عام 2017، موضوعها كنبة وجدها في الشارع، ليكتشف أنها مصنوعة في بداية الثلاثينات في ألمانيا، وتتميز بأنها من أول النماذج التي تتحول فيها الكنبة إلى سرير.

 وما أثار اهتمامه أن هذه الكنبة مرّ عليها الكثير من الأغراض، أي أنها تختزن تاريخا خفيا، ولالتقاط ذكرى هذه الأغراض، قرر أن يطبق ما تعلمه من فن “البوتو”، وهو أسلوب رقص ياباني اشتهر بعد الحرب العالميّة الثانية، وفيه مزيج من الرقص اليابانيّ التقليديّ وويلات القنبلة النووية.

جانب من محتويات المعرض حيث كل قطعة لغز وسؤال
جانب من محتويات المعرض حيث كل قطعة لغز وسؤال

واستخدمه أولريتش ليكوّن أجسادا هجينة وحركة لا تقليديّة، كأنه يستعيد رعب ذاكرة الأغراض، التي تفكك وتكوّن جسده من جديد مازجا أشباح الجمادات مع حضوره المعذّب، لتتحول الكنبة إلى مساحة تظهر حولها أرواح ذات لحم وأقنعة وبلاستيك، يتداخل فيها البشريّ مع الحيوانيّ، وصفات الأشياء مع خصائص الإنسان، لنتلمس في ذات الوقت، بطء الزمن، الذي يميّز البوتو، نفس الزمن الذي ترك الكنبة على قارعة الطريق، خزانا مجازيا لذاكرة بانتظار أن يتقمّصها أحد ما.

نشاهد في القسم الثاني من المعرض عمل تجهيز أنجزه أولريتش، يصفه بأنه غرفة في منزله حين كان طفلا، ويختبر ضمنها مخاوفه وفقدانه لإيمانه، إذ فيها شجرة مصنوعة من أخشاب جمعها جده يعتليها وجه غير محدد الملامح، لنرى أنفسنا أمام فضاء مثير للريبة، لا نعلم بدقة ما الذي سيدور فيه، أشبه بمن يدخل غابة مشبوهة ويعلم أنه قد يلقى حتفه هناك.

 ومن هذا الفضاء ننتقل إلى القسم الثالث من المعرض، ويتضمن 10 عروض أداء والتي سينجزها أولريتش في مكان التجهيز، ويستعيد في كل واحد منها غرضا من طفولته، ويواجه المخاوف التي ولدها هذا الغرض، وكأن ذاكرة “الماضي” تتحول إلى تعبير جسديّ “الآن”، ليتداخل المنطقي مع ذاك الغرائبي والمخيف.

جماليات الوحوش والغرابة
جماليات الوحوش والغرابة

في ذات الوقت يمكن أن نعتبر كل واحد من عروض الأداء هذه رحلة اكتشاف ذاتيّة تتجلى فيها الزوايا المظلمة من الذاكرة بشكل فنّي يحمل ذات رعب الذاكرة، الذي يتقاسمه المشاهد والمؤدي، ليكتشف الاثنان أثر الخوف على الجسد فيزيائيا، لنرى أنفسنا بعد العروض العشرة أمام عمارة عاطفيّة لطفولة أولريتش وتكوينه الحاليّ، إذ لم يتجاوز مخاوفه أو يتناساها، بل إنه تقبلها وطارد أشكالها حتى التقطها سواء بجسده أو عدسته.

عوالم أولريش أكسبته شهرة عالميّة، لا فقط بسبب الصيغة الطقوسيّة الوثنيّة التي يتبناها والأقنعة الطوطميّة التي يصنعها بل أيضا بسبب تعاونه مع الفرقة الموسيقية الشهيرة “داي أنتوود”، والتي أثارت إعجاب الكثيرين بسبب طبيعة أغانيها المصوّرة الغرائبيّة التي تبحث في جماليات الوحشي والسحريّ، حيث يتساوى الجسد الموشوم مع التمثال المشوه، وكأن الأشياء ليست إلا أعراضا شكليّة لمضمون أعمق، يتجاوز المتفق عليه والمستكين، نحو الرعب، بوصفه أساس الدهشة، الغريزة الصامتة التي تحرك العوالم الثقافيّة والفنية البديلة.

13