جمالية الكتاب

لعل هذا الفقر الجمالي، الذي يطبع الكثير من الدور، يعود إلى تمركزها حول الناشر نفسه، الذي يقرأ الكتاب، في غياب لجان القراءة، ويعده للطبع، ويتجول به في معارض الكتب، ويرّوج له.
السبت 2019/01/12
هل تطغى مضامين الكتب على جماليتها (لوحة: عزة الشريف)

يندر، في زحمة آلاف عناوين الكتب، التي تغرقنا في كل ساعة، أن يفرح القارئ بكتاب ما منذ الإطلالة الأولى عليه أو عند تصفحه. إذ إن على القارئ، في الكثير من الأحيان، أن يبحث عن جمالية المضمون، مغمضا عينيه عن رداءة الغلاف والتصفيف، وعن نوع الورق الهش أو الخشن.

ويبدو أنّ كثيرا من الناشرين يفتقدون لحس الانتباه لما يقتضيه توفير كتاب جيد، باعتباره على الأقل، وفق منطقهم التجاري، منتوجا يجب أن يستجيب لانتظارات ومتطلبات القارئ، باعتباره مستهلِكا، وفق نفس المنطق. وهو ما تقتضيه أيضا حدة التنافسية التي صارت تطبع قطاعا، تحكمه في نفس الوقت، هشاشته، وتهديدات الوسائط الجديدة، وتغير عادات القرّاء، وأيضا تعدد دور النشر وتزايد المطبوعات.

ولذلك، يحدث أن تتشابه، على سبيل المثال، أغلفة الكتب، التي يتم إعدادها في آخر لحظات إنتاج الكتاب، كما لو أن الأمر يدخل في باب الواجب فقط. ونتيجة لذلك، تفتقد دور النشر لهويتها الخاصة، حيث يحدث أن يتم تجريب كل أحجام الكتاب وكل الحروف وكل تصميمات الأغلفة، بشكل يستحيل معه التعرف إلى الدار، من خلال أعمالها، كما تقتضي ذلك مهنيةُ مجال الكتاب.

ولعل هذا الفقر الجمالي، الذي يطبع الكثير من الدور، يعود إلى تمركزها حول الناشر نفسه، الذي يقرأ الكتاب، في غياب لجان القراءة، ويعده للطبع، ويتجول به في معارض الكتب، ويرّوج له. والغالب أن ذلك يرتبط ببنية دور النشر العربية، التي تطبعها سيادة الدور التقليدية، والدور التي يدبرها أفراد العائلة، والدور التي توجد داخل محافظ أصحابها والتي لا تستطيع أن تعيش بعيدا عن أوكسجين الدعم العمومي.

في دراسة مثيرة، وقف الباحث الفرنسي أونطوان كومبانيون، عند تشارك أغلب أغلفة الأعمال الفرنسية على مستوى لونها الداكن، مرجعا ذلك إلى الطابع التقديسي الذي ظل يحظي به هذا الأدب، داخل الثقافة الفرنسية، بشكل يجعله سابقا على سلطة قدسية الدين. وانسجاما مع ذلك، يندر أن يحمل غلاف عمل أدبي فرنسي لوحة ما، أو أن يتم شحنه بالتفاصيل غير الضرورية، كما هو حال منشورات إمبراطورية النشر الفرنسية، غاليمار. غير أن هذه القدسية لن تدوم طويلا، خصوصا مع ظهور نوعين جديدين من الكتب.

يتجلى الأول في كتب الجيب، بأغلفتها المزينة. وهو النوع الذي يهدف إلى دمقرطة المعرفة، عبر الوصول إلى أكبر عدد من القراء. وهو ما تعكسه، على سبيل المثال، حالة السلسلة الفرنسية الشهيرة “ما ذا أعرف؟”، التي كانت قد أطلقتها المنشورات الجامعية الفرنسية، والتي عرفت نجاحا باهرا، حيث تصدر في أكثر من أربعين لغة. أما النوع الثاني، فيكمن في الكتب الجميلة، التي تتميز بورقها الفاخر وبهيمنة الصورة على حساب النص المكتوب. إنها الكتب التي ينتهي بها المآل على مناضد صالونات الأسر الثرية. بدون أن تُقرأ بالضرورة.

15