جمال أفريقي: كلام مريح للقلب والأذن

اكتشفت في البلاد المغاربية ترتيلا كنسيا متعدد الأصوات مخبأ تحت أزيد من ألف سنة من التأثير السامي العربي، وقد أخبرت بأن شبيها له يوجد باليمن، بلد مملكة سبأ القديم.
الأحد 2019/05/12
لوحة: فاطمة حسن الفروج

إن كلمة poésie كما نعرف وبحسب اشتقاقها الإغريقي، هي، وقبل كل شيء، تعني فعل الإبداع ثم الإبداع نفسه في نوعه الأكثر أصالة وإنسانية. والقصيدة التي يعرفها بولس السينغال كـ:»كلام مريح للقلب والأذن».

ومن جهة أخرى، فالمؤتمر الأول لعلم الإحاثة الإنسانية المنعقد في نيس سنة 1982 قد أكد بأن الإنسان ظهر في إفريقيا منذ 2500.000 سنة وأن إفريقيا بقيت ولمدة طويلة «في طلائع الحضارة» وأقول حتى الألفية الرابعة قبل مجيء المسيح على الأقل حتى إبداع، إلى جانب الكتابة الأولى، أول شعر جدير بهذه الصفة.

وقبل أن أذهب بعيدا، أريد أن أثير الانتباه لخطأ يرتكب دوما وهو مقابلة «إفريقيا البيضاء» بـ»إفريقيا السوداء» أو «إفريقيا ما تحت الصحراء» و»إفريقيا الشمالية» هذه التقابلات لا تحيط بشكل كاف بغنى ووحدة، في الآن نفسه، إفريقيا الأم.

وبالفعل، إن عدنا إلى الألفية الخامسة قبل مجيء المسيح، قبل مجيء الساميين والهندوأوروبيين إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، لم يكن التعارض العرقي والثقافي في إفريقيا بين البيض والسود، ولا حتى بين أمازيغ، ومصريين وسود، وإنما بين الأفارقة الكبار والأفارقة الصغار.

فهؤلاء الصغار ذوو البشرة الصفراء، كانوا يعيشون في الغابات المدارية وخصوصا الاستوائية، في الوسط حتى أقصى الجنوب، وكانوا يتكلمون لغات إشارة، بينما الأفارقة الكبار الذين كانوا يعيشون في إفريقيا الشمالية في المنطقة السودانية-الساحلية كانوا يتكلمون لغات داغمة، مثل المصرية القديمة وكذا اللغات الأمازيغية ولغات الباتو وهكذا وبانحدارنا مع وادي النيل من الدلتا أو المحيط الأطلسي من مضيق جبل طارق سنجد رجالا ونساء من نفس العرق ويتكلمون لغات داغمة، ولكنهم يكبرون شيئا فشيئا وتسودّ بشرتهم. فالبشرة تنتقل من الأكاجو إلى الأبنوسي. فمنذ الألفية إذن كان التدخل البيولوجي والثقافي قد بدأ وتواصل في إفريقيا، كما حدث في آسيا وأوروبا، هذا ما أغنى، أساسا، الحضارات وقرّبها من بعضها في نفس الوقت.

إن النصوص التي ستقرأ هنا، مع هذه التوضيحات السابقة، هي أشعار ترجمت عن لهجة أمازيغية، تشلحيت، ويمكن أن نجد مثيلات لها في الجزائر، ولن أقول تونس، حيث إن اللغة الأمازيغية قد اختفت كلية تحت التأثير المترافق للفينيقية واللاتينية والعربية.

 إن ما يميز هذه الأشعار الأمازيغية، هو جمالها الأفريقي، وبالفعل، وفي ما وراء الترجمة الفرنسية فإننا نجد أنفسنا أمام «كلام مريح للقلب والأذن» كلام مغنّى في الغالب، ومؤثر، وهذه هي الخاصية الأولى للأسلوب الشعري، سنرى ونحس بذلك ونحن نقرأ هذه القصائد الأمازيغية، والتي تنتسج وتتخللها الصور المتشابهة والرمزية لأنها دالة، وهذه الدلالة المصورة بالضبط التي تذهب من العقل، الأفضل من الروح إلى القلب للتأثير فيه.

إن الكلام الشعري ليس مريحا فقط للقلب، بل وقبل كل شيء هو مريح للأذن، ومرة أخرى فالحضارة الإنسانية ولدت في إفريقيا، حيث ظهر الشعر لأول مرة، مرتبطا بالغناء ومهدهدا بالشدو، وكما لاحظت ذلك في كل مكان بإفريقيا، يتعلق الأمر بغناء متعدد الأصوات، ولد في قارتنا، مثل الترتيل الكنسي تحديدا في قارتنا حيث لا تتم المصاحبة من خلال المقام الخماسي والرباعي وإنما الخماسي والثلاثي، وهذا يشكل مصاحبة «مبلبلة» حماسة، لكي لا نقول حسية.

بل إنني اكتشفت في البلاد المغاربية ترتيلا كنسيا متعدد الأصوات مخبأ تحت أزيد من ألف سنة من التأثير السامي العربي، وقد أخبرت بأن شبيها له يوجد باليمن، بلد مملكة سبأ القديم.

يبقى أن نشير إلى أن هذا الشعر، المغنّى بالطريقة الإفريقية، يمكنه أن يكون أيضا منشدا، وموزونا، يتعلق الأمر هنا، بأن تؤدي الترجمة لا إيقاع الكلام المنشد، وهذا الإيقاع في إفريقيا يشكل أساسا من التوازي اللامتماثل، أي بالتكرار الذي لا يكرر نفسه وكما سنلاحظ ونحن نقرأ هذه القصائد ولو مترجمة إلى الفرنسية، سنلتقي غالبا، وبشكل دائم تقريبا، التعبير أو كما سماه مخيلي گاساما «الكلمة الولادة» والتي وهي تكرر نفسها، وتكون ذاتها دوما، ولكنها كلمة أخرى بمكانها أو سياقها، فتحرك القصيدة بالمعنى الاشتقاقي.

حين كنت طالبا، كان الأساتذة يصرون على عدم وجود شعر إفريقي وإنما «نثر موزون فقط» كما لو أن هذا ليس التعريــف العام للشـعر، وفي المقـــال الذي أكتبــه لسلسلة que je crois»  «Ceأثبت بأن هناك شعرا إفريقيا، بعلم عروضه الأعقد من علم العروض الأوروبي. وقد سجلت، تحديدا، الزمن المضاد ونبراته الحادة.

إن ما أنهك المترجم نفسه في نقله، وأكثر من الإيقاع، هو رخامة الكلمات المنشدة بـ: جناساتها الصوتية، وتقفيتها وجناسات أخرى أو لعب ورغم ذلك فإن هذا اللعب بالأفعال، هذه الإبداعات.

المريحة جدا للأذن هي التي تشكل ما هو أساسي في الشعر فمن متعة الآذان متعة الروح. هذا لأقول بأن «أغاني تاساوت» لا شيء فيها «خشن» ولا «بدائي» إنها مرة أخرى التعبير عن هذه الحضارة الإفريقية التي صاغت الحضارة الإنسانية.

وليس من باب الصدفة، إن كان المغرب، مثله في هذا مثل مصر، يمارس تأثيرا ثقافيا كبيرا في إفريقيا ما وراء الصحراء، وفي كل مكان من العالم، وذلك لأنه وقبل أن ينفتح على العالم الحديث: الأوروأميركي، فقد بدأ بالتخدر بعمق في النسغ المخصب «الأرض السوداء» كما كان يقول قدماء مصر: إفريقيا الأم وهذا ما تثبته القصائد التالية.

*ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

12