جمال السجيني تمثاله في روما يذكر به

الأحد 2017/06/11
جمال السجيني الذي ابتكر هوية مصرية بأفق عالمي

لندن - ثلاثة فنانين مصريين تحل هذه السنة مئوية ميلادهم. محمد صبري وسيد عبدالرسول وجمال السجيني. من بين الثلاثة يحتل السجيني مكانة متميزة في الذاكرة الوطنية المصرية، لا لأنه أنجز أكثر من ألف عمل فني، عبّر من خلالها عن أحداث ورموز وطنية وحسب بل لأنه أيضا كان الفنان المصري الأول الذي رفع يديه احتجاجا على سلوك المؤسسة الفنية وذلك من خلال قيامه بإغراق عدد من تماثيله في نهر النيل في خطوة عدّها الكثيرون عبثية.

غير أن ما فعله الفنان الذي ينتصب تمثاله الاستذكاري “أحمد شوقي” في فيلا بورغيزي بروما كان تعبيرا صادقا عن الشعور باليأس الذي خيّم عليه وأصابه بالكآبة بعد نكسة يونيو 1967 في ظل استمرار المؤسسات الوطنية ومنها المؤسسة الفنية في أدائها الرديء.

ثوري الحياة اليومية

كان السجيني فنانا ثوريا ربط التجريب في الفن بالرغبة في تغيير الحياة، رافضا للمفاهيم السابقة، عميقا في بحثه عن مفردات يؤكد من خلالها أصالة هويته الفنية من خلال استلهام التراثين الفرعوني والعربي.

شغفه بقيم المقاومة والحرية والكرامة دفعه إلى الوقوف في خطوط المواجهة في الأوقات العصيبة التي مرّت بها مصر. لقد لعبت السياسة من جانبها الوطني دورا رئيسا في إلهام الفنان موضوعاته، بل كان مزاجه أشبه بمرآة لما يقع من أحداث.

ألم يغادر عزلته اليائسة بتمثال “العبور” عام 1973؟

الفنان المصري الأول في الطرق على النحاس بدأ رومانسيا وانتهى واقعيا غير أن تأثيرات أوغست رودان وهنري مور وبرانكوزي ظلت عالقة بعالمه وهي التي حررته من القيود الأسلوبية.

كان السجيني غزير الإنتاج ولم يمنعه النحت وقد عُرف نحاتا بارزا من ممارسة الرسم والخزف.

ربما شكل النحات المصري الرائد محمود مختار عقدة بالنسبة إلى نحاتي مصر من جهة عدم قدرتهم على تجاوزه وبالأخص في نصبه “نهضة مصر”. السجيني وحده كان في مكان آخر. لقد شق للنحت طريقا مختلفة، بعيدا عن مختار وتمثاله. وهو ما صنع أهميته التاريخية والفنية.

السجيني ربط التجريب في الفن بالرغبة في تغيير الحياة

ولد جمال الدين رأفت السجيني بالقاهرة (باب الشعرية) عام 1917. وبسبب قرب الحي الذي نشأ فيه من سوق خان الخليلي فقد أسرَتْهُ مهارات الحرفيين العاملين في تلك المنطقة. عام 1933 التحق بمدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة وكان معلمه هناك الفنان السويدي فرودمن كلوزيل (1878 - 1959) وهو الذي سيترك أثره على أسلوبه في المستقبل من خلال انحيازه إلى الواقعية الثورية. عام 1937 وكان لا يزال طالبا نال جائزة محمود مختار.

عام 1945 أسس جماعة “صوت الفنان” ثم سافر إلى فرنسا للدراسة على نفقته الخاصة. هناك رأى لأول مرة أعمال رودان وبرانكوزي ومانويل وبورديل. غير أن المقام لم يطل به بباريس بسبب عدم الاستقرار هناك في مرحلة بعد الحرب العالمية الثانية وكان في طريقه للعودة إلى بلده حين حصل على منحة لدراسة الفن في روما.

تخصّص هناك بفن الطرق على النحاس. حين عاد إلى مصر عام 1951 أقام محترفه في حي الزمالك وعيّن مدرّسا للنحت في جامعة القاهرة ومنها انتقل للتدريس في الإسكندرية بعدها عاد إلى جامعة القاهرة لينهي عمله فيها عام 1977 وهو العام نفسه الذي توفّي فيه بعد أن أقام معرضا لأعماله في مركز دراسات البحر الأبيض المتوسط ببرشلونة حيث مات هناك.

وبالرغم من مكانته الفنية العالية وعلوّ القيم الجمالية التي تنطوي عليها أعماله فقد عانى السجيني من إهمال المؤسسة الرسمية التي كانت (لا تزال) مثقلة بعبء سلوكها البيروقراطي المتوارث وهو ما دفعه عام 1969 إلى أن يُلقي بـ”25” عملا نحتيا من أفضل أعماله، من بينها تمثال الجلاء الذي فاز بجائزة الدولة للإنتاج الفني وتماثيل “النيل يموت” و”طلعت حرب” و”الدراويش”. كانت الخسارة كبيرة غير أن غضب السجيني صار بمثابة مثل لسواه من الفنانين المصريين الذين لجأ بعضهم إلى حرق أعماله في مراحل لاحقة كما فعل الفنان محمد عبلة.

السجيني رائد فن الطرق على النحاس في مصر

في ثنائية التراث والمعاصرة

أقام جمال السجيني عالمه على أساس علاقة متوازنة بين المعاصرة والتراث. فعلى صعيد التراث يمكن القول إن من الصعب ألاّ يقع مصري تحت تأثير النحت الفرعوني. قوة ذلك الفنّ تفرض نفسها بطريقة يشعر المرء بضعفه في مواجهتها. لا يزال النحت الفرعوني يمثل خلاصة فنية مذهلة لقدرة الإنسان على التعبير الجمالي. غير أن السجيني استطاع بعبقرية موهبته أن يزيح ذلك العبء ليكتفي بالقليل المفيد منه لتجربته وهو ما يحسب له حين يُقارن برائد النحت محمود مختار الذي كان فرعونيا بامتياز.

أما على مستوى المعاصرة فإن الفنان الثوري، المؤمن بقيم الاشتراكية، المدافع عن الفقراء بعمق كان لا يخفي ميله إلى النزعات الرمزية والتعبيرية التي أغنت عاطفته في باريس من خلال أعمال رودان وبرانكوزي. وهو ما جعله قادرا على مقاومة الغواية التراثية. لقد اهتدى السجيني إلى معادلة تقع خارج دائرة التطرف بين جناحين متشددين. دعاة التراث من جهة وقد مثّلهم معظم الفنانين المصريين، ودعاة المعاصرة وقد مثلهم سرياليو مصر الذين غالوا في استعراض غربتهم داخل المجتمع المصري.

السجيني كما أراه اليوم فنان باحث عن هوية متجددة.

فنان باحث عن هوية متجددة

عام 1961 رفض السجيني جائزة الدولة التقديرية لأنها برأيه جاءت متأخرة. قد يبدو الفنان متطرفا في سبب رفضه لتلك الجائزة. غير أن السجيني كان قد ربط فنه بعجلة التحولات الثورية التي شهدتها مصر منذ ثورة يوليو عام 1952. كان شاهدا، متأملا ومستلهما ومتخيلا وكان مثل كل المصريين على يقين من أن الثورة لن تخذله. لذلك كان مزاجه الفني يتغير حسب ما يشهده الواقع من أحداث.

لقد كسرته النكسة (1967) فصارت شخصياته تظهر مبتورة الأطراف أما حين نجح الجيش المصري في عبور قناة السويس فقد نقله تمثاله “العبور” إلى مرحلة أسلوبية جديدة بدا من خلالها خارجا من واقعيته النقدية في اتجاه التجريد الجزئي. فما كان في إمكانه أن يكون تجريديا بالكامل وهو المعبّأ بالصور التي تمليها عليه حكايات المصريين.

عاش السجيني عصره بتوتر وانفعال وطنيين. وهو ما انعكس في أعماله وبالأخص منها تلك التي تتعلق بالمناسبات (المداليات) أو التي تستعمل في الحياة اليومية وإن في سبيل الذكرى (النقود التذكارية). كانت حرفته تسبقه إلى الموضوع غير أنها لم تكن لتخفي أسلوبه الشخصي. مَن يعرف أسلوبه لا بد أن يتعرّف عليه قبل أن يرى توقيعه.

مصر هناك دائما

من المؤكّد أن جمال السجيني كان الأكثر حظا بين الفنانين المصريين. ذلك لأن تمثاله التذكاري الذي يمثل الشاعر أحمد شوقي صار جزءا من تاريخ روما ومعمارها. سيكون موجودا دائما هناك بأسلوبه الشخصي وقوة تعبيره عن هويته المصرية. أحمد شوقي الذي رأيته في فيلا بورغيزي قبل سنوات كان تمثالا مصريا حطّ في حديقة إيطالية. لا أحد في إمكانه أن يخطئ هويته المصرية وبالقوة نفسها فإن التمثال يملك الكثير من الأسباب الجمالية التي تجعل منه عملا فنيا معاصرا. لقد وضع السجيني مصريته في سياق عالمي يليق بها حقا.

10