جمال القصاص.. لصّ نساء الشرفات

الأحد 2013/12/08
رسم تخطيطي بريشة جمال الجرّاح

يكتب الشاعر جمال القصاص بحرقة وألم دوما، وكان الشعر نوع من التطهر بالألم، فضاؤه مملوء بالحزن، بينما تومض لحظات الفرح خلسة، وكأنها نتوء خارج السياق، أو زمن هارب في الزمن، على الرغم من أنه على النقيض تماما في معايشة الواقع والحياة، له آراء صريحة في أبناء جيله من شعراء السبعينيات، يصف نفسه دائما بأنه لص شعر. وقال أنه عندما كان يكتب ديوانه المثير "نساء الشرفات" كتبه بهذه الروح من التلصص.. واجهناه على "كرسي الاعتراف" بتساؤلات اتهامية.. فكان هذا الحوار.

قال القصاص "أكتب ما أحس به، ما أعيشه بالفعل، ما تلامسه روحي وعيناي بمحبة خالصة، أو حتى معطوبة.. المهم ألا تفسد وتصل هذه المحبة إلى حد الكراهية.. حينئذ يتساوى فعل الوجود والعدم على حافة القصيدة، فانصرف لأمور أخري، في المطبخ، أو في الشارع، أو أطارد إوزة عرجاء في الحديقة، أو أذهب لمواساة موجة عِلق قلبها في مخالب الصخور، مشكلتي أنني ألتصق بنفسي في لحظة الكتابة إلى حد الاعتصار أحيانا.

وهذا مؤلم لكائنين "الذات وفعل الكتابة" يرفضان الراحة على جسر ما، حتما سيصل بينهما، ربما ببطء أسرع وأرق من دفقة الشهوة الأولى".

وأضاف "هناك دائما صراع خفي بين مسطح الورقة البيضاء، ورغبتي في أن أنتهك حيادية هذا البياض بشكل خاطف ومباغت في لحظة الكتابة، كأن الورقة ستهرب من يدي، فبل أن أثبِّت شكل وجودي فيها، أو كأنها عصية عن التواؤم مع هذا الوجود.

من هنا تأتي الحرقة والألم فالكتابة صراع وجود، أريده أن يتشكل وفق ما أري وما أحس، وليس ووفق ما هو كائن بالفعل، أو ما يراه الآخرون..

أضف على ذلك أنني لا أحب اللون الأبيض ولا يوجد صريحا ضمن ملابسي، فدائما تقطعه وتشوشر عليه ألوان أخري، رغم أنه على مستوى المظهر يزيدني بهاء وجمالا".

ورأى القصاص أن الحياة مبنية على المنطق والحسابات، ثمة نزعة برجماتية تحكمها، لكنه أكد أنه غالبا ما يدع الحياة تعيشه وتتنفسه على فطرتها وسجيتها.

وتذكر "في مشواري الدراسي ومنذ الخطوات الأولي كنت أكره الحساب والرياضيات ولغة الأرقام بشكل عام، أحب الرسم والموسيقى والأدب، أحب ما يجذب الخيال، ويلعب على مساحة الوجدان، وليس على بديهيات العقل ومظانه المربكة.. ألم أقل في شعري في ديوان "شمس الرخام":

دار الزمانُ على سوابق عهدهِ…

والحرفُ عرَّج واستوى في ضدِّهِ

لا تستقمْ أنت الغنيُّ بفقرهِ..

والخيطُ وهما يستطيلُ بمدِّهِ..

ثم يطاردني الهاجس نفسه، بتنويعة أخري في اللحن فأكتب في ديواني "السحابة التي في المرآة" هذه الومضة الخاطفة:

"خطوةٌ.. خطوةٌ هنا أو خطوةٌ هناك

كلُّ الحسابات بلا ثمن

لكنني دائما أعودُ إلى نفس النقطةِ

في نفس الكراس.

ثم يعود اللحن نفسه في ديواني "كولمبس على الحافة"، لكن بوجع خاص، وفي ظل لطشة عاطفية حارقة:

الخسارة مكسبي الوحيد

حقيبة عمري.

وهكذا، في كل شعري يتناثر الحزن، وكأنه الوعاء الذي يصون هباء الروح والجسد معا، وفي الوقت نفسه يطهرهما مما علق بهما من شوائب الحياة..

بينما يظل الفرح هو الإمكانية الأبعد، هو الحلم الهارب في الزمن، أو العكس صحيح.

ربما حين أنبش في دفتر طفولتي، يبرز موت أمي وأنا صغير على أعتاب السنوات التسع، كشارة حزن، أو دمعة محبوسة، لم أستطع أن أظرفها آنذاك، فظلت حبيسة، تتسع وتتجدد نفسها في دورة الحياة والقصيدة معا.

وانتقد القصاص جيل السبعينات الذي ينتمي إليه من زاوية خاصة "طالما خشيت من جيلي الذي نشأ أغلبه في حضن تكتلات وجماعات شعرية، أن تنمحي وتذوب وتتشوه الفروق والسمات الجمالية بين شاعر وآخر، ونصبح إزاء نص واحد يراكم التشابه والتماثل والتكرار، وليس المغايرة والتجاوز والتخطي.

وقد انعكس كل هذا على النظر النقدي لهذا الجيل، حيث ظل لسنوات كثيرة يتم تناوله نقديا بمنطق تلك الكتلة، وكعادة العمل داخل كتلة هناك منطقة السطح الأكثر بروزا ولمعانا وضجيجا، ومنطقة الظل، التي تنفر من الأضواء والثرثرة، وشاعريا انحزت إلى منطقة الظل، لأوفر نوعا من الهدوء والنمو الطبيعي لتجربتي، وحتى يمكنني مراقبتها بحياد تام، ولم يعيقني هذا عن أن أكون أساسيا في بؤرة العمل داخل الكتلة..

وحين انفضت الكتلة وذهب كل شاعر إلى حال سبيله، اكتشفت أنني كنت على صواب، وأنني قصيدتي تشبهني، ولا يمكن أن تخونني، وأنني أدرك بمشاكسة طفل، مناطق النقص والإضافة فيها، والأهم من ذلك أنني أدركت أن التمرد على نموذج، أو على لحظة شعرية محددة، سيظل محفوفا دوما بالضجيج وروح الشعار، والطفو على السطح، بينما المياه الصافية الحقيقية تجري في الأعماق.

ولعل هذا ما يفسر تباينات شعراء جيلي، فبعضهم لا يزال يراوح مكانه، ينظر إلى قصيدة النثر من منظور الطبقة الأدنى في الشعر، وبعضهم يتمسح فيها بألفة مصطنعة ومستعارة، والبعض الآخر يسجنها في عباءة خبرته مع قصيدة التفعيلة، والحق أن قصيدة النثر هي فضاء الشعر الحر، وهو فضاء صعب ومراوغ، لأنه يستغرقك في لحظة الكتابة، ويسكنك روحا وجسدا معا، ويستوجب طاقة مغايرة ويقظة رهيفة في الالتقاط وقدرة لا تحد في الكشف وتفجير الأسئلة، وخلق الشعر من عثرات الحياة العادية المألوفة".

ولفت القصاص إلى أنه في لحظات كثيرة بينما يكتب ديوانه "نساء الشرفات" كان يحس بأنه لص يتخفى وراء قناع الكتابة، وأنه لا سبيل لكسر هذا القناع سوى أن التصق في الشرفة بجسده ويترك روحه على العتبات تلتقط الرتوش "أحيانا كنت أحس بأن الشرفة مجرد لون، مجرد خط، مجرد مساحة، ومهمتي أن أحيِّد الفراغ، أن أحرره من كثافة الألوان والخطوط، تارة بقوة الظل، وأخرى بقوة الكشط حتى يشف السطح عن ألقه وعمقه الخاص.

وكثيرا كنت أتخيل- تحت حمى الكتابة- أن ثمة لصا آخر يبادلني القناع نفسه، وأنه ينعس تحت الوسادة، ويشد من على جسدي أطراف الملاءة، فأصحو مذعورا من نومي وأهرع إلى شرفة بيتي لاكتشف أن الشرفات لا تزال كما هي، منتظرة تلصصي بنزق أعلى من نزق العشيقة".

13