جمال اليوسف يطوّع فن الطباعة ليسائل الوجود

أعمال التشكيلي البحريني جمال اليوسف الطباعية والنحتية تركز على تصوير الحالات الذهنية العالية والمتدنية للإنسان، وكأنه في سؤال مستمر مع نفسه عن الحنين والضياع.
الجمعة 2018/05/04
قلق حيال الحنين ومعانيه

المنامة – ضمن فعالياته الثقافية احتضن مؤخرا غاليري مشق في العاصمة البحرينية المنامة المعرض الشخصي للنحات والتشكيلي البحريني جمال اليوسف، الذي ينطلق في أعماله الفنية من شعوره بالقلق حيال الحنين ومعانيه وما يمثله للإنسان من قيم قد تكون عصية على الفهم المبدئي، لكنها موجودة في تفاصيل الحياة التي لا يمكن إلاّ أن تشكّل فعلنا الوجودي.

من هذا المعنى يذهب اليوسف محملا بأسئلته ناحية اشتغالاته المتنوعة بين التشكيل والنحت والطباعة، حيث يرى في الأخيرة أنها نوع من أنواع النحت، ويجد العمل فيها مثيرا وملهما.

وقدّم اليوسف في معرضه الأخير 38 لوحة من أعمال الطباعة، تتنوع فيها الأساليب الفنية والاشتغالات اليدوية، منها الحفر على الزنك والنحاس، ومنها الحفر على الخشب، أما عدد قطع النحت فكان ستة أعمال ذات مواد متنوعة، منها الغرانيت والرخام والزجاج.

وشكّل وعي اليوسف المتراكم، من خلال تجربته المتواصلة على مدى سنوات من العمل، فضاءات فنية خاصة به، فقد لامس الفن منذ سن مبكرة، حيث قضى سنوات عمره الأولى في أستوديو والده الراحل الفنان التشكيلي البحريني ناصر اليوسف، الذي يعدّ واحدا من أهم أعمدة الفن البحريني المعاصر.

ويقول اليوسف الابن “أنا مغرم بالنحت، بالطريقة التي تتعامل مع المادة العنيدة، والتي تفسح المجال للتحدي والمهارة، لقد جربت العديد من المواد، مثل الزجاج والبرونز والطين والغرانيت والرخام، كل منها لديها مجموعة من التحديات التي أجد فيها متعة رائعة، كان والدي -رحمه الله- يرسم بالزيوت والأكريليك، وقضى جزءا كبيرا من سنواته لاحقا في الطباعة”.

ويؤكّد جمال أن والده، ناصر اليوسف، هو الذي قدّم له فن الطباعة على الزنك للمرة الأولى، ولكنه لم يسعه ممارسة فن الطباعة خلال حياة والده على الرغم من أنه على دراية بجميع التقنيات التي كان يستخدمها الراحل.

تشكيل النسق
تشكيل النسق

وعن مناخات تجربته الأخيرة، يقول “في الحقيقة هذا المعرض يمثل عدة تجارب في مجال الحفر والنحت، هو نتاج تجارب بدأت من العام 2015، إذ لم أعمل في مجال الطباعة بشكل جدي إلاّ حين انضممت إلى ورشة عمل قدّمها الفنان محمد عمر خليل في صالة البارح للفنون التشكيلية، وقد بدأت أتحسس هذه التقنية، واكتشفت أنها فن واسع ذو سقف عال جدا، حيث يفسح المجال إلى العامل فيه لاكتشافات جديدة في تقنيات الطباعة”.

وعن المعرض يقول “المعرض فيه من الأعمال التي يمكن القول عنها بأنها نفّذت بطريقة اعتيادية، وفيه من الأعمال ما نفّذ نتيجة اكتشافات خاصة بتجربتي، أما في مجال النحت، وهو هاجسي الأول، فيضم المعرض أيضا عدة تجارب في مجال النحت من ناحية المادة المستخدمة، ففيه قطع من مواد مختلفة مثل الغرانيت والزجاج والرخام وكلها مواد عنيدة تحتاج إلى التعاطي معها باتزان دقيق بين القوة والمثابرة والصبر”.

وفي سؤال “العرب” عن حضور ثيمة الحرب والخوف والضياع في مجموعة من الأعمال، وهل كان ذلك انعكاس الفنان لما يدور حوله من حروب، وارتباكات في الهوية، وضياع الذات؟

يجيب اليوسف “هذا بالضبط ما كنت أشير إليه في هذه الأعمال، يبدو لي أن الإنسان العربي اليوم أصبحت لديه خاصية جديدة وهي عدم التأثر بما يشاهده عن طريق الوسائل المرئية أو المسموعة، كأنما هي بعيدة عنه أو أصبح لا يصدّقها بسهولة، هذا بالإضافة إلى الانشغال بإدارة حياته اليومية بكل تحدياتها، بينما الأشخاص الذين في وسط هذه الأحداث قد فقدوا الأمل ويعيشون في ضياع وبؤس، ويبدو لي كذلك أن الإنسان العربي يعيش حالة من الخوف من المجهول جراء الأحداث المتتالية، والتي تتضخم صداها من خلال وسائل الإعلام الحديثة”. ويعتبر جمال اليوسف المشهد التشكيلي البحريني الأول خليجيا، فهو يرى أن الحركة التشكيلية ممتازة، وهي تقاس بحركة الشباب المتجدّد في مجالات الفن مثل الرسم والنحت والدراما، وهذه الحركة -بحسب رؤيته- تنشط في أكثر الأحيان دون دعم ممّا يجعلها تتنافس في ما بينها.

17