جمال بوطيب: لكل مؤلف استراتيجياته أثناء بناء نصه

الناقد والشاعر والسارد المغربي يرى أن أعراف الكتابة ليست فعلا فرديا مطلقا.
السبت 2020/09/26
الكتابة فعل يقوم على استراتيجيا (لوحة للفنانة غلناز فتحي)

الكتابة لا تتم مطلقا بمعزل عن القارئ، فهو حاضر دائما في اعتبارات الكاتب، سواء كان يؤلف نصا إبداعيا أو نقديا أو أدبيا. فهو يتّبع عرفا ما هو محل اتفاق مشترك ومسبق على المستوى اللغوي والأسلوبي والجنسي للنص. فللكتابة أعرافها كما يبين الناقد المغربي جمال بوطيب في كتابه الجديد “أعراف الكتابة والتأليف: بحث في استراتيجيات النص العربي”.

يتتبع الناقد والشاعر والسارد المغربي جمال بوطيب في كتابه “أعراف الكتابة والتأليف: بحث في استراتيجيات النص العربي” الحضور العرفي للشكل المعتمد كتابيا في النص العربي بمختلف تجلياته، وهو تتبع يقوم أساسا على قاعدة ملاحظة النصوص المنتجة، ومساءلة بنيات تكونها الداخلي، إنْ ابتداعا أو اتباعا.

ويحاول بوطيب من خلال كتابه، الصادر حديثا عن دار خطوط وظلال في عمّان، في محاولة لتأسيس فرضية قراءة من شأنها أن تبحث في النص ذاته عن هذا الحضور، اعتمادا على الاستنباط والمقارنة، وتسجيل كل ما من شأنه أن يسجل خرقا للمتداول، بغية تأسيس عرف جديد.

استراتيجيات المؤلف

البحث في استراتيجيات النص العربي
البحث في استراتيجيات النص العربي

يرى جمال بوطيب أن أعراف الكتابة والتأليف لا تعدو كونها اختيارا نصيا استراتيجيا لهذا الكاتب أو ذاك، وهو اختيار يمكن أن يتبع أو يتخلى عنه، كما في الأشكال الكتابية العربية المبتدعة، التي يتخذ منها خير دليل، فقارئ “المقامة” قد لا يتساءل عن بنائها إلا بعد معرفة هذا البناء، وهو لا يتبع حضور السارد أو الراوي أو البطل إلا باستنساخ المقامة ووضعها على محك المقارنة، وهي مقارنة تقوده إلى الامتثال للعرف في كتابة “الحريري” باعتباره زمنيا لاحقا لـ”الهمذاني”.

إلا أن غير المتتبع يسقط، حسب رأي الناقد، في فخ التعميم إذا لم يعتمد قاعدة الملاحظة المتجددة حتى يستطيع الحكم على مقامات ابن الصيقل الجزري، ومقامات الزمخشري، وما يقال عن المقامة يقال عن “الرحلة” وعن “أدب الأمثال” وغيرهما.

والأمر نفسه يطرد في كتابات المعاصرين، فالباحث في القصة عن المكونات السردية قد يصدمه غيابها في نصوص كثيرة، ومعتبرها أمرا لا مناص عنه لكاتب القصة قد يسقطه في فخ التساؤل عن السرد الحاضر في كثير من النصوص الشعرية، وغير العارف بالرواية يصدمه رأي نقدي وهو يصف نصا روائيا بالقصة أو الشهادة أو غيرهما.

ويوضح بوطيب أن هذا التداخل في الحضور، والتجدد في الظهور، والاطراد وعدمه في الثبات بالنسبة إلى العرف، وتكرر الملاحظة هو ما دفعه إلى تخصيص مؤلف لأعراف الكتابة والتأليف العربيين من خلال البحث في استراتيجيات النص العربي.

وليس البحث في الاستراتيجية باعتبارها شكلا دفاعيا احترازيا توقعيا للمؤاخذات النقدية واستباقيا في رتق الفتوق شيئا آخر غير البحث في استراتيجيات المؤلف الخاصة أثناء بناء نصه، لذلك تجاوز مجموعة من المحاور مثل “مفهوم الكتابة، صناعة الكتابة، مفهوم التأليف، صناعة الكتاب وعلاقتها بالعلوم أو بالفنون العربية، الكتابة الإسلامية والكتابة العربية والكتابة والصناعة الترجمية” وغيرها.

فقد صنف فيها الباحثون غير قليل من المؤلفات، سواء أكان الكتاب عربا أم غربيين، وهي مؤلفات مؤسسة في موضوع الكتابة عموما، وفي مميزاتها بصفة خاصة، بالرغم من كون بعضها يخلط بين الأكاديمي العلمي والمدرسي التعليمي، فيلحق شرح دروس البلاغة مثلا بصناعة الكتابة، أو يتحدث عن القواعد معتقدا أنه يتحدث عن الأعراف.

وفضّل الناقد، لتجاوز إعادة إنتاج التعاريف ودلالاتها وارتباطاتها السياقية، اختيارا منهجيا يقوم على تخصيص مدخل أسماه “في عرفية الكتابة” يتناول مفهوم العرف وأنماطه، وحدّه وكيفية بنائه، وتقسيم الكتاب إلى قسمين كبيرين، واحد خاص بـ”الكتابة الإبداعية”، وثان  خاص بـ”الكتابة البحثية” (تمييزا عن الكتابة النقدية)، باعتبار النقدية تكون نصوصا ثواني على نصوص أولى، وباعتبار البحثية تكون نصوصا أولى في حاجة إلى لغة قراءة قد تكون نقدية.

أعراف الكتابة

تتوزع كتابات بوطيب بين السردية والشعرية والنقدية
تتوزع كتابات بوطيب بين السردية والشعرية والنقدية

تناول بوطيب في القسم الأول “صناعة الكتاب الإسلامي” من خلال العتبات والحواشي،  و”الأعراف المرجعية للنص العربي”، و”أعراف الكتابة الروائية”، و”العنوان في الرواية”، و”المقولات الظنية في الكتابة النسائية”، و”العرف باعتباره أيديولوجيا”، و”التوثيق بالنصوص”، و”آليات الاشتغال والتلقي في القصة”، وغيرها من المباحث المرتبطة بالقسم الذي عنونه بـ”العرف بين الصدور والامتداد”، باعتبار الصدور ابتداعا والامتداد اتباعا، ويمكن للصدور أن يكون خرقا في حالات تجاوز المنتج.

بينما تناول في القسم الثاني المعنون بـ”الكتابة البحثية: جدلية العرف والقاعدة” ما ينطلق من القواعد ليؤسس الأعراف، وهو الكتابة البحثية من خلال حقول معرفية مختلفة كالفلسفة، والسوسيولوجيا، والأدب والنقد، ونقد النقد وغيرها.

يميز بوطيب في العرف الكتابي بين شكلين إنجازيين للوعي: الوعي الكتابي والخطابي الوعي النقدي، وهما معا شكلان مرتبطان بمدرِكهما الواعي، سواء أكان مبدِعا منتِجا أم ناقدا قارئا للإنتاج. فالعرف، حسب الجرجاني، هو “ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقّته الطبائع بالقبول، وهو حجة أيضا، لكنه أسرع إلى الفهم، وكذا العادة وهي ما استمر الناس عليه على حكم العقول وعادوا إليه مرة بعد أخرى”، أو هو المتفق عليه تواضعا ونهجا وتكرارا، قد يصل حد العادة فلا يفرق بينهما، أو يتجاور معها فتكون هي أعم من العرف لأنها قد تكون فردية، وقد تكون جماعية بخلاف العرف فلا يكون إلا من جماعة، تداولا وإن كان فرديا إنتاجا.

ويذهب بوطيب إلى أن العرف لا يستساغ إلا بأركانه التي يصفها بـ”العارف الفردي أو الجماعي، وهو السالك في البيئة أو في المجتمع، العرف الفعلي أو القولي أو التقريري، وهو المبتدع الذي يسير الناس عليه، والتِعراف، وهو التكرار أو الممارسة للعرف. وقد ينتج عن التكرار التقعيد، غير أن التردد بالنسبة إليه مخالف للعادة، وللقاعدة، وللإجماع بمفهومه الشرعي، فالعادة تتميز بالتكرار وتشترك مع العرف فيه، والعرف يتميز بالخرق والحجية في قوة الاستدلال، والقاعدة توجه إلى أشخاص وتتميز بالتعميم والتجرد والإلزامية المتنافية مع الخرق، والعرف قد يوجه إلى فرد واحد ولا إلزامية فيه، والإجماع يكون باتفاق الأمة، بينما العرف يكون منجزا فرديا قد يتكرر فلا يصير عادة، ويعمم فلا يصير ملزما ولا قاعدة، ويتفق عليه بالإجماع فلا يكون إجماعا لأنه سرعان ما يخرق”.

الناقد جمال بوطيب يميز في العرف الكتابي بين شكلين إنجازيين للوعي: الوعي الكتابي والخطابي والوعي النقدي

ثم إن العرف عام وخاص، الأول مشترك جماعي زمني وبيئي وثقافي ممتد بين غالبية الناس، والثاني يكون بين الاشتراك وعدمه وليس ممتدا، ومشتركه يتميز بالمحدودية بين الأفراد. وهنا قد يكون النص الشعري مثلا عرفا عاما، أما العرف الذي يصدر عن فئة من الناس تجمعهم وحدة من زمان معين أو مكان، وله طابع خاص يميزه عند أهله، فهو الخاص، وقد تكون الرواية من هذا النوع.

وإذا كان يحدث التميز بين الشعر والرواية داخل حقل الأدب، باعتبار الأول عرفا عاما والثانية عرفا خاصا، فإن العرف قد يكون عمليا أو قوليا، ومن هنا يمكن للقولي أن يكون العام والخاص، لاسيما عندما يتعلق الأمر بالألفاظ وتوليدها ودلالاتها الجديدة وارتباطها الإتيمولوجي المستبدل.

وعموما، فإن ما يقصده الناقد جمال بوطيب بالأعراف الكتابية هو “السلوك الكتابي أو التأليفي المتكرر، في زمن وبيئة وثقافة محددة، شرط أن يسار عليه لفترة تسمح باعتماده، والعمل على تقعيده وتأصيله، قبل أن يخرق بعرف ثان، يبدأ فرديا لتسلكه الأكثرية سواء أتوحدت في الزمن والبيئة أم لا. أي أن العرف يؤسس بالتحديد ويخرق بالإطلاق، ولا يسمى عرفا كتابيا إلا إذا أخضع للخطية تدوينا، وتداوله أهل زمانه أو لاحقوهم تلقيا. أي أن العرف يؤسس بالتحديد ويخرق بالإطلاق”.

يُشار إلى أن جمال بوطيب، المولود في مدينة وجدة، أكاديمي حاصل على الدكتوراه في الأدب الحديث تخصص الرواية والنقد والمسرح، ويعمل أستاذا في كلية الآداب بمدينة فاس، ويتوزع إنتاجه بين الكتابة السردية والشعرية والنقدية. من أعماله الإبداعية “الحكاية تأبى أن تكتمل”، “برتقالة للزواج برتقالة للطلاق”، “مقام الارتجاف”، “زخة… ويبتدئ الشتاء” (قصص)، “سوق النساء” (رواية )، “خوارم العشق السبعة” (رواية) و”أوراق الوجد الخفية” (شعر). وصدر له في النقد “الجسد السردي: أحادية الدال وتعدد المرجع”، “انطولوجيا”،”السردي والشعري: مساءلات نصية”، “نحن والآخر: تجليات جسدانية في الفكرين العربي والغربي” و”الاستعارة الجسدية: الذات والآخر في الرواية الجزائرية”.   

13