جمال خيري: أزمة الكاتب والكتاب والقارئ كلها مفتعلة ومن صنع الناشرين

الخميس 2013/10/24
الأدباء المغاربة بين التأثيرات الفرنسية والتاريخ العربي

أشاد عدد من النقاد المغاربة بتجربة جمال خيري الشعرية على الرغم من كونه عانى ويعاني من صعوبة نشر أعماله، حيث يقول: "ما أكتبه منذ البدايات لا يصل إلى القارئ لأنه مضر بالصحة النفسية للناشر"، معتبرا أن أزمة الكتاب أو حتى أزمة القارئ رغم تفشي الأمية في وطننا العربي هي مقولة كاذبة يروجها لوبي بعض منتجي الكتب وناشريها.

مشكلتي العظمى

يرى جمال خيري بكبرياء ومرارة أن "وطنه" قد أدار ظهره، ويؤكد على أنه لم تقع استضافته من قبل أيّ أحد، ولم يهتم به أحد، اللهم بعض الأصدقاء الأحباب الذين أقاموا له أمسية شعرية وحفل تكريم لتجربته الشعرية؛ وأصدقاء قلائل كتبوا عن قصائده قراءات نقدية قلبية.

وعن مسيرته يقول: "بدأت الكتابة بالفحم على الجدران والإسفلت ككل أطفال حيّي وانتهيت شغيلا دون راتب في معمل الكتابة. وإلى غاية 1985 لم ينشر لي شيء في الصحف الوطنية.. النشر كان وما زال مشكلتي العظمى؛ فلعلي لا أعرف طرق الأبواب، ولا استغلال الصداقات".

ويضيف خيري قائلا: "فجأة تفتقت بكارة النشر بقصيدة "ذاكرة الانهيار" التي نُشِرَت على صفحة شعر الشباب لإحدى الصحف المغربية التي بقيت وفية لقصائدي، إلى أن سلَّمني الْمَغْرِبُ إلى "الْمَغْرَبِ" (كلمة لقبت بها فرنسا كوطن لهجرتي ومنفاي، في مقابل "المَغْرِب" كوطن لمسقط رأسي وأصلي)، فبدأت تماطل في نشري ثم عمّ الصمت.. لم أتمكن من نشر عملي الأول "وكأني أحلتني حدود بلادي" الذي أنهيته سنة 1996، وهو عبارة عن ثلاثة دواوين شعرية جمعتها في كتاب، إلا سنة 2003، وعلى حسابي الخاص.

جمال خيري: تعلمت عن أحمد شوقي وبودلير وطه حسين

والجميل أن هذا الكتاب حقق أحسن بيع ونفدت كل نسخه. ثم نشرت ديوانا باللغة الفرنسية وبسهولة تستحق الذكر، تحت عنوان "قتل الوطن"، عن "لارماتان للنشر" بباريس سنة 2011، وهو تحويل، أو إعادة كتابة إن شِئْتَ، لبعض قصائدي من العربية إلى الفرنسية.

نصوص كثيرة ما زالت بحوزتي مخطوطة قد تتسرب إليها بعد الملل ألسنة النار. لقد أتعبني أن أتأخر في مشاريعي الكتابية، جراء النشر. النشر لا بد منه للخروج من قصيدة إلى أخرى، ومن ديوان إلى آخر. وكثير من الكتاب يعانون العناء الشديد من أجل نشر كتاب.

أظن أن الناشر مرآة الثقافة الكتابية؛ فإذا كانت المرآة وسخة، فما ذنب الكاتب أو القارئ؟ ثم إني أكتب الصمت وأرتاح إلى العزلة، وأفضل أن أعيش خارج الضوضاء والأضواء حيث كثير الظلال وكثير الصدى.

انتهازية الهوية

جمال خيري، يعرٍّفُ نفسه بـ"شاعر فرنسي من أصل مغربي"، رغم أنه يكتب بالعربية، بينما هناك شعراء مغاربة يكتبون بالفرنسية ويقيمون في فرنسا ويعَرِّفون أنفسهم بشعراء مغاربة، عن هذه المسألة، يقول: "ربما هي مفارقة من وجهة نظرك، أما أنا فأراها مفارقة إذا كنت شاعرا فرنسيا باسم لاتيني يكتب بالعربية ويقيم في المغرب.. المسألة في نظري ليست مرتبطة بمكان الإقامة أو بلغة الكتابة.

فلو استطعت يوما أن أقيم لمدة معينة في الصين، وأكتب بالهندية لذَيَّلْتُ القصيدة بـ"الشاعر الفرنسي من أصل مغربي".

أظن أن المسألة أكثر عمقا وعَوَصًا من أن تكون مجرد "تعريف". إنها تتعلق بإعادة تحديد الانتماء والهوية؛ إنها تُسَائِل وبذكاء إشكالية الهجرة والمنفى.

ويضيف خيري قائلا: "مبدئيا أنا ضد الانتماء القسري. لقد قضيت خمسا وعشرين سنة في المغرب وخمسا وعشرين سنة بفرنسا. ولم أمارس اللغة المغربية إلا بنسبة واحد بالمئة تقريبا. أنا مندمج جدا في الحياة الفرنسية، ولا أعيش منعزلا عبر أقلية لسانية أو جالية.

أنا لا أقيم في فرنسا، أنا أحيا في فرنسا وأعيشها منذ خمس وعشرين سنة. وأظن أن الدين الإسلامي قد حررنا جميعا من الانتماء القبلي الضيق.. ومن جهة أخرى فأنا لا أنكر أصلي المغربي. هذا غير ممكن، أنا باعترافي وضعت أركان هويتي كما يلزم دون لف أو دوران. أنا جمال خيري، وأنا شاعر، وأنا من أصل مغربي، وأنا مواطن فرنسي أتمتع بكل الحقوق وأقوم بكل الواجبات. أظن أن ليس ثمة مفارقة.

لقد عشت فرنسا وأنا في المغرب طبعا ليس بهذه الصيغة، وبهذا العنفوان، ولكن بصيغة أكثر ليونة ودهاء، تشبه الاكتساب الأول بمعناه النفس لساني.

أنا من جيل عاش الازدواج الثقافي في المغرب منذ نعومة أظفاره.. كانت اللغة الفرنسية بثقل ثقافتها حاضرة بقوة في الإدارة، والمدرسة ونظام المدينة وأسماء شوارعها وساحاتها وأزقتها، كانت حاضرة عبر الراديو والتلفزة وكثير الصحف والمجلات.. وكانت بصماتها تصل لغة اليومي، حتى أن مدينة الدار البيضاء كانت مدينة أوروبية أكثر منها مغربية. أنا من جيل تعلم عن أحمد شوقي وعن بودلير، عن طه حسين وعن ديكارت، عن ثورة عرابي وعن الثورة الفرنسية".

الذين اختاروا أن يكتبوا بالفرنسية ويقيموا بفرنسا ويعرِّفوا أنفسهم بشعراء مغاربة، هم أحرار أمام التزاماتهم، وأحرار في قراراتهم، وربما قد أحسنوا الاختيار، إن لم يكن وراء اختيارهم هذا بعض من سوء نية تجاه وطنهم الأصلي المغرب، وبعض الانتهازية تجاه وطنهم المضيف فرنسا.

وأرى في اختيارهم هذا ما يثبت وجهة نظري حول رفض الانتماء القسري، ويؤكدها.. إنهم، ربما يعيشون في انفصام متناغم يرضي ازدواجيتهم.

غير أني لا أستطيع أن أفهم منهم أن يكونوا "مقيمين" في فرنسا، حاصلين على الجنسية الفرنسية، ويكتبون بالفرنسية أو بالعربية، ثم يأتون القارئ من باب المغافلة، ويَدَّعُون، لغرض في أنفسهم، أنهم مغاربـة.

لم تمنحهم فرنسا الجنسية الفرنسية لأنهم شعراء مغاربة.. هؤلاء الشعراء، ككل المهاجرين، وقفوا في طابور محافظة فرنسية ما منتظرين في الصباح الباكر (إن لم يكن طيلة الليل)، لساعات طويلة من التعب والهلع، لكي يسحبوا ملف طلب الجنسية أولا؛ ثم عانوا ما عانوه مرهبين أن ترفض شهادات اعترافهم بأنهم، متمتعين بكامل قواهم العقلية، اختاروا فرنسا وطنا لهم، ثم ترفض ملفاتهم كاملة.


التراث هو الإنسان


ليس التراث كما يظنه البعض لحظة تاريخية جامدة متوقفة ميتة، أبدا.. التراث استمرارية وحيوية ونشاط، هكذا يعتقد الشاعر جمال خيري، إذ يقول في هذا الشأن: "لولا التراث البيولوجي والحيوي البشري لكنا أشبه بحيوانات تتنازع الجيف وتأكلها نيئة.. لنا تراث لأننا تطورنا وما زلنا نتطور، والذي لا يتطور فلا تراث له، والتراث في الوقت نفسه، ليس محطة تاريخية مفتوحة على مصراعيها تنتظرنا فيها قطارات السعادة الأرضية والسماوية جمعاء؛ وليس التراث وهذا هو الجميل، خزينة في متناولنا نأخذ منها ما نريد فنجيد أو ما يفيد فنستفيد، ونترك الباقي أو نرمي به إلى زبالة الجهل والنسيان، أو نعلقه للزينة على الجدران. التراث هو الإنسان نفسه، هو نحن بما بُصِمنا به عبر تاريخنا الحضاري الثقافي، بما تعلمناه وحفظناه عن ظهر قلب أو نسيناه، بما طورناه حتى غاب أصله، بما وضعناه على الرفوف والمتاحف من كتب وأعلام ومتاع للذكرى.

بهذا المعنى، فالشاعر أدونيس، مثلا، وهو على قيد الحياة والشعر، وما يزال ينعم بقواه العقلية والبدنية، وما يزال ينتج ويجتهد، ويجدد، فهو وتجربته الشعرية والفكرية والإنسانية، بالنسبة لتجربتي الشعرية المبتدئة، تراث؛ مثله مثل امرئ القيس والشنفرى.. وبالمناسبة، فأدونيس، لم يحدث قطيعة، ولم يضرب بين تجربته والتراث ألف حجاب. ولا شنها حربا على كل الموروث.. تجربته استمرار وتطور".
15