جمال سليمان من كواليس المسرح إلى أروقة السياسة

الأحد 2015/02/08
سليمان نجمٌ سوري عاش أعماق صلاح الدين وصقر قريش وبسطاء الناس

فنان أثبت وجوداً في الساحة الفنية العربية، صاحب إطلالة بهية، متحدث لبق وأنيق، يحمل كل الصفات التي تؤهله ليكون شخصية عامة لافتة، أحزنته المأساة الإنسانية لشعبه فوقف إلى جانبه، وغامر واقتحم عالم السياسية، معارضاً سياسياً لنظام لا يرحم معارضيه، وعاب عليه بعض صقور المعارضة بأنه صهر للسلطة.

جمال سليمان، سفير الدراما السورية إلى العالم العربي، انتقل من أروقة المعهد العالي للفنون المسرحية إلى ميدان الحملات الخيرية والإنسانية، ثم إلى فضاء الثقافة الدولية في أروقة الأمم المتحدة، وأخيراً إلى أروقة عالم السياسية.

أكثر الفنانين السوريين وضوحاً في موقفهم السياسي مما جرى في سوريا، مسالم وعقلاني، رافض للسلاح والتسليح، ورافض لنظام الأسد من أسفله إلى رأسه، صاحب أسلوب مُقنِع، قد تختلف معه بالرأي فيفرض احترامه عليك، وقد توافقه فيسحرك بمنطقه.


البدايات


ولد في باب السريجة بقلب دمشق لوالد فلاح علوي فقير جاء لدمشق وتزوج سيدة من آل الزعيم، وُلد أيام الوحدة السورية المصرية، وسُمّي جمال تيمناً بجمال عبدالناصر وبالوحدة العربية. عاش طفولة صعبة، فعمل طفلاً في مغسل للسيارات وبالطباعة وكممثل هاو في المسرح وهو في الرابعة عشرة من عمره، وتخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية في العام 1981، ليحصل على الماجستير من جامعة ليدز في بريطانيا بالإخراج المسرحي، وعاد بعدها لدمشق للعمل كأستاذ في المعهد وكممثل محترف في السينما والتلفزيون.

كان له دور كبير في صناعة الدراما السورية مع هيثم حقي وآخرين، حين باع صديقه هيثم حقي منزله ليُنتِج العمل المشترك الأول بين القطاع الخاص والعام “هجرة القلوب إلى القلوب”، العمل الذي أطلق فعلياً ثورة الدراما السورية، في جعبته الآن 8 مسرحيات، وأكثر من 50 عملاً تلفزيونياً، و6 أعمال سينمائية، منها أعمال لاقت نجاحاً جماهيرياً واسعاً على المستويين العربي والمحلي، تقمّص فيها شخصيات قادة كبار، كجمال عبدالناصر وصلاح الدين الأيوبي وعبدالرحمن الداخل وغيرها، وقد اختاره صندوق الأمم المتحدة للسكان كسفير له، وتم تكريمه في أكثر من مهرجان عربي.

تفتح وعيه تقريباً بنفس فترة استلام الأسد الأب السلطة في سوريا، وعايش قانون الطوارئ والأحكام العرفية، وأيقن أن الدستور السوري مُقيّد بدلاً من أن يُشكّل ميزان العدل المجتمعي، رفض هذه الشروط التي تحط من شأن البشر والفكر، فطالب مع غيره من مثقفي سوريا بإصلاحات بعد استلام الأسد الابن السلطة. في بعض أعماله ناقش مسألة الدولة الأمنية والاستبداد والدولة الديمقراطية، ومع انطلاق الثورة السورية واستخدام الأسد للحل الأمني أعلن عن خصومة واضحة بينه وبين النظام السياسي، وعارضه بلا مواربة، لكنّه خاف أن تجلب الثورة دكتاتوريات جديدة، وأن تبدأ طليعية وتقدمية وثورية وتنتقل لتصبح رجعية، فلم تجرفه عواطفه وكان متوازناً واضحاً في ما يريد.

ممثل يبرع بأداء الشخصيات التاريخية وعلى رأسها صلاح الدين الأيوبي يعبّر دوما عن احترامه للمسجد والكنيسة ولكنه يرفض تدخلهما في الشأن السياسي، وأنه لم ولن يؤيد الأحزاب التي تُضلّل الجماهير باسم الله


اقتحام عالم السياسة


كانت له، قبيل الثورة السورية، علاقات جيدة مع رموز المعارضة السورية ومع شخصيات هامة في النظام، ربما بحكم شهرته من جهة، واهتماماته السياسية والثقافية من جهة ثانية، فعرف ما يُرضي كل جانب وما يُزعجه، وهو ما سهّل اقتحامه لعالم السياسة، فكان دخوله فيه سلساً طبيعياً، فهو أصلاً داخله، لم يكسر باباً ليدخل أو يقفز من نافذة.

منذ الأشهر الأولى للثورة، دعا النظام إلى التغيير وتقديم تنازلات حقيقية، ولفتح حوار شجاع ووطني مع المعارضة، وطالبه بتنازلات لمصلحة سوريا ومستقبلها “قبل أن ينبعث الدخان في كل شارع بها” كما توقّع.

جمال سليمان كان من أوائل من رفضوا الإصلاحات التجميلية قبل الثورة، وبعدها دعم مطالب السوريين بإقرار دولة القانون، والتداول السلمي على السلطة، والشراكة في الوطن، ورفض الحوار مع النظام طالما هو مستمر باستخدام أسلحته وقوته ضد الشعب، وبالمقابل أعرب عن مخاوفه من تدخل بعض الدول العربية والأجنبية في الِشأن السوري لقناعته بأن كلاً منها يُصفّي حساباته في سوريا.

اتّهمه البعض بأنه يمسك العصا من منتصفها، لكن موقفه السياسي كان يعكس في حقيقة الأمر شخصيته وقناعاته، فهو لم يكن يوماً ابناً مدللاً للنظام، ولم يستلم أي منصب استثنائي بالواسطة كما هي العادة في سوريا خلل عقود، بل قرر الوقوف إلى جانب الثورة كمستقل من قناعة بوجوب أن يكون له دور في الحفاظ على بلده، وأن يكون جزءاً من أي حوار أو مبادرة تُنتج مشروعاً سياسياً يقود نحو التغيير الديموقراطي.

لم تُعجب البعض فكرة تحوّل الفنان إلى وجهٍ سياسي، وقالوا إنهم خسروا فناناً ولم يربحوا سياسياً، وسط مستنقع الحالة السياسية السورية الراهنة، التي تقذف بالمعارضين بالمحرقة واحداً تلو الآخر، خاصة بعد فشل الكثير منهم في تحقيق أي شيء ملموس للشعب الثائر، بينما رأى هو أن المبدع هو أولاً إنسان، كائن اجتماعي، فرد من مجتمع يؤثر ويتأثر، ومن حقه أن يكون له موقف سياسي وإنساني.

النجم العربي لم يمسك العصا من منتصفها فوظّف جماهيريته لصالح الشعب والثورة


المشاركة والانسحاب


بما أن السياسة لعبة تحتاج بعض المواربة والدهاء، وربما لأنه لم يكن من هواة هكذا أنواع من الألعاب، لم يكن جمال سليمان موفقاً دائماً في تحديد وقت دخوله للتنظيمات السياسية المعارضة، لكنّه بالمقابل عرف متى وكيف يخرج منها، كان يختار التوقيت الصحيح دائماً للانسحاب بهدوء، ليتابع استقلاليته السياسية وحقّه الطبيعي كفنان ومثقف ومواطن.

شارك في أغسطس من العام 2011 بتأسيس تجمع ترأسه وزير الإعلام السوري الأسبق محمد سلمان (والد زوجته)، وهو تجمّع شارك فيه مثقفون ومسؤولون سابقون في الحكومة وحزب البعث الحاكم، تجمّع لم يطالب بإسقاط النظام، لكنه اتّهمه بأنه مارس سياسة الإقصاء المنظم وبانتهاج نظام اقتصادي فاسد، وطالب الرئيس السوري أن يعقد مؤتمراً وطنياً يضع الحلول للأزمة ويُخرج البلاد منها، وشدد على مبدأ أن طائفة معينة بحد ذاتها لن تستطيع حكم سوريا.

اتّهم بعض المعارضين جمال سليمان بأنه يدعم مبادرة سلمان الذي كان أحد أركان حكم حافظ الأسد في وقت مضى، واعتبروا أن هذاالتجمّع مدعوم من النظام، وأن النجم السوري يمثّل عليهم ولا يمثّلهم، لكن سرعان ما انفك عقد هذا التجمع بعد ثمانية أشهر من إعلانه بعد أن أمرت السلطات الأمنية السورية بحله، ومنعت الوزير سلمان من السفر وحرّكت من يدعو لفصله من حزب البعث.

قبل أيام من بدء مؤتمر جنيف2، وافق على الانضمام لائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية بعد أن رشّحه معارضون سوريون لعضوية هذه المؤسسة المعارضة، ودافع عن انضمامه للائتلاف وقال إنه اتّخذ قراراه “بعناية فائقة”، وشدد على أن انضمامه إلى المعارضة هدفه الوصول إلى حلّ للأزمة السورية ولن يُؤثّر على مسيرته الفنية بأي شكل.

بطل التغريبة الفلسطينية المسلسل الذي سحر الملايين يقول 'نحن كفنانين لم نقدم رأيا سياسيا أبدا بل قدمنا رأيا وطنيا وإنسانيا، لسنا حزبا سياسيا ولا نملك أيديولوجيا ولا أيّ خطة، لسنا في السلطة ولا ننافس أحداً'

بمقياس الربح الخسارة، ربما كان الائتلاف هو الرابح، فقد كسب شخصية تتابعها شريحة واسعة من السوريين والعرب وتُعجب بها، وبحدسه أدرك بطل “التغريبة الفلسطينية” هذا الأمر فقال إنّ مشاركته في هذا التجمع أو سواه يجب ألاّ تكون مجانية، لكن وجوده بالائتلاف لم يدم طويلاً، فقد انسحب سريعاً وبهدوء، دون أن يُشهّر بالائتلاف، ودون أن يغادر الساحة السياسية، واستمر بالظهور للواجهة أحياناً والغياب عنها أحياناً أخرى.

بعدما طالب بالحريّة للشعب السوري، تعرّض، وما يزال، لحملات تشويه سمعة وتهديد من أنصار النظام، وما زالت تُنشر التعليقات المسيئة التي تحتوي على شتائم واتهامات بالخيانة له، لا يعتبرها سوى “حرب على الرأي الآخر الذي يجتهد ليقدم أفكاراً من أجل خلاص سوريا”.

توعّده “أشاوس″ النظام بأن يستقبلوه عند عودته إلى سوريا استقبال الخونة، وأدرجت الأجهزة الأمنية اسمه على قوائم المطلوب اعتقالهم، وهدده النظام بـ”إخفائه تحت سابع أرض إذا لم يلتزم الصمت”، كما هدده ضمنياً بابنه، وهدم جزء من بيته بحجة أنه مخالف.

اقتحمت مجموعة مسلّحة من القوات الأمنية منزل والده قرب دمشق، وفتّشوا كافه أرجاء المنزل وانتهكوه “بحثاً عن أفكاري” كما قال صاحب “حدائق الشيطان”، تلك الأفكار التي لم يخبئها حتى ولا في رأسه، بل صرح بها علناً في جلسات خاصة صريحة لعدد من هؤلاء الذين يسعون للبحث عنها، ولم ينس أن يشكر العناصر المسلحة التي اقتحمت المنزل لأنهم تركوا الأدوية وحقن الأنسولين الخاصة بوالدته.

شعر بخطورة التهديدات من بداياتها، وبنهاية العام 2011 قرر عدم العودة إلى سوريا بعد أن شارك بـ”مهرجان الدوحة ترايبيكا السينمائي”، واتّجه إلى أرض الكنانة، حيث يحظى هناك أيضاً بشعبية كبيرة، وقال “لن أعود إلى سوريا حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً”، ولم يتمكن بسبب منعه من دخول البلاد من حضور مأتم والدته ووالده اللذين توفيا في دمشق.

فصَله نقيب الفنانين السوريين من النقابة بتهمة 'مشاركته في سفك دماء الشعب السوري'، في خطوة اعتبرها جمال سليمان “استمراراً للعقلية الفاشية التي قسمت المجتمع السوري

فَصَله نقيب الفنانين السوريين من النقابة بتهمة “مشاركته في سفك دماء الشعب السوري”، في خطوة اعتبرها جمال سليمان “استمراراً للعقلية الفاشية التي قسمت المجتمع السوري وأوصلته إلى وضعه الكارثي الحالي وتسببت بسفك دماء السوريين وتدمير البلد، عقلية قائمة على الكذب والافتراء والتخوين وكيل التهم جزافاً دون أي احترام للحقيقة”، وأعلن أن الفصل من هذه النقابة أمر يُشرّفه. ورغم كل التهديدات، لم يتوقف خلال جلساته، الخاصة والعامة، عن توجيه النقد للنظام السوري، محمّلاً النظام مسؤولية التداعيات التي خلّفتها المعالجة الأمنية، وجنوح بعض القوى الشعبية إلى استخدام القوة والعنف.


إبعاد قسري


غادر سوريا قبل الثورة، بشكل متقطع، وبعدها بشكل دائم، ليقيم في القاهرة، ليس عدوى لتقليد عربي قديم فعله العراقي نجيب الريحاني والسوري فريد الأطرش والفلسطيني عبدالسلام النابلسي وآخرون وأخريات من الفنانين العرب، بل لأسباب سياسية تتعلق برفضه حلول النظام الأمنية، فقد كان الحنق عليه من أنصار النظام مضاعفاً، لأنه شخصية عامة محبوبة ولها جماهيريتها، ولأنه شخصية من داخل الطائفة الحاكمة في سوريا.

رفض أن يتهمه البعض بالخيانة، وقال بلسانه ولسان بعض أصدقائه الفنانين الذين اتّخذوا موقفاً مشابهاً “نحن كفنانين لم نقدم رأياً سياسياً أبداً بل قدمنا رأياً وطنياً وإنسانياً، لسنا حزباً سياسياً ولا نملك أيديولوجيا ولا أيّ خطة، لسنا في السلطة ولا ننافس أحداً، نحن نعطي رأياً وطنياً لا أكثر ولا نريد أن تكون لغة الرأي استفزازية أو تصاعدية، كما لا نريد دماء ولا صداماً داخل المجتمع ولا بين السلطة والناس″.

وعلى الرغم من هذا “الإبعاد القسري” ظل محتفظاً برأيه داعياً إلى نوع من الحوار الوطني العميق، أصرّ أكثر على حاجة سوريا إلى التغيير السياسي واعتبرها استحقاقاً تاريخياً إلزامياً لا يمكن لأحد إن كان مؤيداً أو معارضاً أن يتجاهله.


عودة إلى الواجهة


مع تحوّل الحل الأمني للنظام إلى حل عسكري حربي، وصل سليمان إلى قناعة بأن الحل الوحيد للأزمة السورية هو الحل السياسي الذي يضمن الانتقال الديمقراطي وينهي حكم الاستبداد ويضمن تبادل السلطة سلمياً، واستمر بالعمل من خارج المؤسسات المعارضة لتحقيق هذا الأمر، دون تشدد أو انغلاق وتصلّب.

جمال سليمان، قد توافقه على مواقفه وقد لا توافقه، لكن هذا لا يُنقص من احترامه باعتباره شخصية فنّية وإنسانية وسياسية، لم يخن ولم يتآمر ولم يتقنّع بوجهين

عبّر عن احترامه للمسجد والكنيسة ولكنه رفض تدخلهما في الشأن السياسي، وأعلن أنه لم ولن يؤيد الأحزاب التي تقوم على أساس ديني، أو تلك التي تُضلّل الجماهير باسم الله، وأعلن رفضه أن يحكمه أحد باسم الحق الإلهي، وأيّد الأحزاب الوسطية المتنورة المتفتحة التي تحترم عقائد الناس الدينية وغير الدينية، فهو كغالبية السوريين، لا يستطيع إلا احترام تاريخهم الإسلامي والمسيحي، ويُريد في الوقت نفسه حكماً مدنياً علمانياً يحكمه دستور وقانون، لكن هذا لم يمنعه من التواصل مع المعارضة السورية الإسلامية، وحاول توضيح رؤاه لتصويب اعوجاج البعض.

شارك مؤخراً بالقاهرة في أعمال ملتقى لتوحيد برامج المعارضة السورية ورؤاها، وكان المتحدث الرئيسي والوحيد، ربما أيضاً لإدراك القائمين على الاجتماع لأهمية شخصيات المجتمع الأهلي البارزة المستقلة، ووجّه رسالة للمعارضة بأنّ “رفاهية الوقت لم تعد متاحة” ليحرضهم على التوحّد، كما لم يتردّد في المشاركة في منتدى موسكو الأخير الذي وصفه البعض بالمجاني، والذي قاطعته قوى المعارضة السورية الأساسية، ورأى البعض أنه ساهم، بقصد أو دون قصد، بمنحه بعضاً من الأهمية، فعادت الانتقادات لتطاله من جديد، ولم يقتنع الكثيرون بمبرراته لقبول هذه الدعوة الغامضة والملغومة.

من جديد، هو جمال سليمان، قد توافقه على مواقفه وقد لا توافقه، لكن هذا لا يُنقص من احترامه باعتباره شخصية فنّية وإنسانية وسياسية، لم يخن ولم يتآمر ولم يتقنّع بوجهين، وقف إلى جانب الملايين من السوريين وطالب بالحرية والكرامة مثلهم تماماً، وآمن بأنه لا يمكن إجراء إصلاحات اقتصادية دون إصلاح في بنية النظام السياسي، وتحدّث كثيراً عن أهمية دور المجتمع المدني الأهلي غير الحكومي، وعن ضرورة قوننة الأجهزة الأمنية وتحديد صلاحياتها، وأيّد أيّ صيغة قانونية جديدة بين الشعب والحاكم توصل لاستقلال القضاء وحرية تشكيل الأحزاب تحت مظلة الدستور والقانون وتُحقق نظام حكم ديمقراطي تعددي تداولي للسلطة، ومازال حتى الآن يأمل أن يتحقق ذلك، كي يعود إلى دمشق التي آلمه فراقها.

9