جمال عبدالناصر كان عسكريا لكنه مواطن مصري مُسيّس

محن الأوطان، لا تدرس من الزوايا الحزبية، ولا من منطلقات عاطفية وكيديات، وإنما تدرس من خلفية كل المعطيات التي تتهدد الأوطان في مصائرها.
الجمعة 2018/03/02
مقولة "حكم العسكر" الإخوانية

ليس في وسع أي متتبع لسياقات الإعلام العربي وسجالاته، أن يتجاهل تلك البرامج المتاحة عبر موقع الويب، الذي يرفع التسجيلات المرئية، لمشاهدتها كبثٍّ حي، وقد أصبحت هذه الوسيلة ذات فاعلية توازي القنوات المكلفة.

هناك برنامجان، يستهدفان النظام السياسي المصري، ويجتذبان مشاهدات معتبرة، بحكم سيكولوجيا المشاهد العربي، المسكونة بخليط من الملل والاحتجاجات الجزئية، والرغبة في التنفيس والميل إلى النميمة.

وأغلب الظن، أن هذيْن البرنامجين، لم يكونا سيظهران، لولا مشكلة جماعة “الإخوان المسلمين” ومأزقها مع النظام المصري. بمعنى أن “الإخوان” هم الذين يقفون وراء هكذا برامج، وقطر تُموّل، بحكم وجهة رسالتها الإعلامية.

أحد البرنامجين، يشرح أكثر مما يهجو بسفاهة. والثاني يهجو بسفاهة أكثر مما يشرح، ويختلط التخوين والاتهام بالعمالة، بمفردات كل جملة، على النحو الذي يوجع رأس المعارضين قبل الموالين الذين يشاهدون بدافع الفضول، أو الرغبة في معرفة ماذا يقول مقدّما البرنامجين.

وفي كل الأحوال، يستفيد مقدّما البرنامجين، من هامش يتيحه موقع “يوتيوب”، أوسع من ذلك المتاح للقنوات المرخصة والمعرضة للمساءلة القانونية. فعندما تصف القناة المرخصة، فلانا، بأنه عميل صهيوني، يتعين عليها أن تواجه أمام القضاء أحد خيارين: إما الإثبات وإما الإدانة والحكم بدفع تعويضات.

من الذي بمقدوره أن يثبت، أن وصف حكم العسكر ينطبق على نظام عبدالناصر والسادات ومبارك؛ إن كانت الحكومات في كل مرحلة، يتصدّرها مهندسون وتكون الغالبية العظمى من أعضائها، خبراء تنمية وأساتذة اقتصاد 

ذلك لأن سقف الاعتراض إعلامياً، على أي سياسات، هو شرح مكامن الخلل فيها، على أن يُترك للمشاهد استخلاص النتيجة، سواء على أساس الاقتناع بالشرح، أو من خلال مقارنته بمعطيات أخرى.

أحد مُقدّميْ البرنامجين، لديه لازمة عند وصف تاريخ حكم بلاده، وهي استخدام مقولة “حُكم العسكر”، وغالبا ما يشرح ويعدّد أسماء رموز هذا الحكم الذي يزعمه، فيقول إنه حكم جمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك وعبدالفتاح السيسي.

ويصح هنا البدء بتجربة جمال عبدالناصر، الذي كان عسكريا لكنه مواطن مصري مُسيّس، وفي ثقافته السياسية استفاد من عمله السابق كمحاضر في الاستراتيجيا في كلية أركان الحرب العسكرية. وهذا أمر مطروق في السياسة، وعرفته العديد من الدول المتحضرة التي حكمها جنرالات مثل دوايت أيزنهاور أو شارل ديغول.

ولأن معظم مشاهدي التلفزة لا يقرأون، ولأن جماعة “الإخوان” غير معنية بأن يطّلع الشباب على وثائق المراحل التي حكم فيها عبدالناصر ومن جاءوا بعده، ليعرفوا ملابسات كل واقعة، فقد كان الهدف ولا يزال، أن يطفو على سطح وعيهم، اختزال الأحداث بوقائع الصدام مع “الإخوان” في مصر، وأحكام قاسية صدرت بحق بعض رموزها، دون التفكر في أسبابها الموصولة بسياقات الصراع مع الاستعمار القديم والأميركي الحديث، في محاولاتهما تكريس نفوذهما وتبعية الأنظمة لهما، على النحو الحاصل اليوم!

الحديث في هذا الموضوع طويل جدا، والقراءة هي الحل. لكن أسئلة الاختزال، كثيرة ومتنوعة، من بينها:

أين حلّت مواقع “الإخوان” الحزبية، وأين استُضيفت، أثناء الصراع مع نظام حكم يناهض الاستعمار، وعلى اتساع خارطته؟ ومن الذي بمقدوره أن يثبت، أن وصف حكم العسكر ينطبق على نظام عبدالناصر والسادات ومبارك؛ إن كانت الحكومات في كل مرحلة، يتصدّرها مهندسون وتكون الغالبية العظمى من أعضائها، خبراء تنمية وأساتذة اقتصاد وقامات علمية وثقافية وساسة مخضرمون؟

هناك برنامجان، يستهدفان النظام السياسي المصري، ويجتذبان مشاهدات معتبرة، بحكم سيكولوجيا المشاهد العربي، المسكونة بخليط من الملل والاحتجاجات الجزئية، والرغبة في التنفيس والميل إلى النميمة

ثم إن كان ذلك “حُكم عسكر”، فما هي صفة الحكم في البلدان التي آوت إليها الجماعة؟ هل هو حكم روّاد الفضاء مثلاً، أو حكم الملائكة المنزهين عن القبائل والعسكريتاريا والمخابرات؟ ولماذا تهجو الجماعة جمال عبدالناصر ألف مرة، ولا تهجو حاكماً أو ملكاً، لا ينكر هو نفسه، خدمته للأميركيين والبريطانيين، مرة واحدة؟

ثم لماذا لا تُقال كلمة أو تستعاد حتى كلمة واحدة من أحاديث حسن البنا، عن حكم ما قبل يوليو 1952 الذي كان يعشش فيه المتمصّرون الأجانب ورواد أندية القمار وتتحكم فيه سفارات الدول النافذة، والهوانم والحلاقون؟ كثيرة هي الوقائع التي كشفت عنها الوثائق، وتدل على أن عبدالناصر كان على قناعة برفض حكم العسكر والطموح إلى الدولة المدنية.

ذات يوم في يناير 1958 قبل الوحدة المصرية السورية بأربعين يوماً، فوجئت القاهرة بوصول طائرة عسكرية سورية، تحمل أربعة عشر ضابطا يريدون مقابلة عبدالناصر لتسليمه مذكرة عسكرية تطالب بالوحدة. استضافهم الرجل في بيته، وقدّم لهم محاضرة استمرت حتى الفجر. فهو لم يكن يرى أن ظروف سوريا مهيأة للوحدة.

قال لهم “أنتم غير مخوّلين لمناقشة هذا الأمر السياسي، رغم أنكم ممسكون بزمام القوة الحقيقية في سوريا. إنني من ناحيتي لا أقبل مثل هذه الأمور، ولن أبحث الأمر إلا مع حكومة مسؤولة شرعيّا ودستوريّا. أما أحد الشروط الثلاثة لقبولي الفكرة، فهو أن يتوقف الجيش توقفا تاما عن التدخل في السياسة، وأن ينصرف ضباطه إلى مهامهم العسكرية، ليصبح الجيش أداة دفاع وقتال، وليس أداة سلطة وسيطرة في الداخل، ومعنى هذا، على المكشوف، أن كل قادة الكتل العسكرية، وأولهم أعضاء المجلس العسكري جميعاً، عليهم أن يخرجوا من صفوف الجيش ليشتغلوا بالسياسة، لأنهم مشتغلون بها فعلا”.

وفق تلك الرؤية، في وقتها المبكر، كان جمال عبدالناصر قد أخرج الضباط الراغبون في السياسة من الجيش، وأحالهم إلى المؤسسات المدنية، كل واحد منهم كان سقفا سياسيا لها، في مرحلة تثبيت الحكم الجديد.

وفشلت التجربة واستدرك عبدالناصر سريعاً وتبدل الوضع، لكن جماعة “الإخوان” ظلت تتخذ من تلك التجربة المحدودة، التي كانت حلا لمشكلة الضباط، قرينة لوسم التجربة كلها بأنها حكم عسكر. أما الهزيمة التي وقعت في العام 1967 فقد كانت متأخرة قياسا على حجم الضغوط والتدخلات والاختراقات، التي لم تتسع لها الخرائط، في عقد الخمسينات من القرن الماضي.

فالهزائم تؤخذ وتناقش بمنطق أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لا بمنطق الأشخاص. فقد هُزم الأنبياء أنفسهم في معارك. ومحن الأوطان، لا تُدرس من الزوايا الحزبية، ولا من منطلقات عاطفية وكيديات، وإنما تُدرس من خلفية كل المعطيات التي تتهدد الأوطان في مصائرها!

9