جمال مليكة.. فنان مصري يرسم حياة القاهرة بين الماضي والحاضر

الفنان التشكيلي جمال مليكة يعزف في لوحاته على وتر الماضي والآني دون أن تغيب عنه أصالة الإنسان المصري وعمق تاريخه الحضاري.
السبت 2021/04/24
ريشة تتتبّع أصوات الباعة والمارة

جمال مليكة تشكيلي مصري مقيم في إيطاليا منذ أكثر من ثلاثين عاما حقّقت معارضه داخل مصر وخارجها صدى واسعا لما فيها من فردانية في الرؤية والطرح والتصوّر الفني الناضج القائم على الأخذ بالتيارات والأساليب التعبيرية الحديثة بوعي متشبث بالجذور المنغمسة في البيئة المحلية، ومفتوح على حركة الحياة المعاصرة وجمالياتها الكامنة في المشاهد الواقعية التي قد يصفها البعض بأنها منفّرة أو فوضوية أو قبيحة.

القاهرة- الأصالة تشكّل مرتكزا لتجربة الفنان التشكيلي والنحات المصري جمال مليكة في مختلف تجلياتها، أصالة سعت إلى تأكيد حضارتها وثقافتها المصرية الرسمية والشعبية، وذهبت إلى الاستغراق في جماليات المنحوتات الأثرية الفرعونية العظيمة والمعابد الزاخرة ببديع الرسومات والألوان، وذلك جنبا إلى جنب الحياة في الريف المصري في جنوب مصر بفلاّحيه ونخيله وأشجاره، دون أن تغفل أو تتجاهل أو تتكبّر على جماليات الروح والوجدان التي يمتلئ بها ضجيج الشارع المصري.

هذا الشارع الثري بحيوات عظيمة في حركتها وسلوكها ودفئها وتلاحمها وأقوالها، ومن هنا كانت خصوصية التجربة وفرادة ريشتها وألوانها وتشكيلات موضوعاتها التي تنقل عبقرية مصر وإنسانها على امتداد التاريخ قديما وحديثا وحتى اللحظة الراهنة.

وفي معرضه الأخير “القاهرة الساحرة” الذي أقيم في غاليري “الكحيلة” بالعاصمة المصرية القاهرة، يواصل الفنان المصري المقيم في إيطاليا لما يزيد عن ثلاثة عقود ترسيخ بصماته الخاصة بضربات فرشاة تلقائية تنشد السحر والطاقة الحركية والشحنات الانفعالية عبر تجريد الأشكال والصور وتسييلها بخفة واستنباط ما وراء حدودها المطموسة من حالات متعددة متقلبة للبشر والبيوت والأمكنة وسائر المفردات البصرية، في المدينة والقرية، والأرض والنهر والسماء.

رسم شفيف للريف بنضارته واخضراره

وتقود المطالعة الأولية لأعمال معرض مليكة الجديد التي تزيد على أربعين لوحة زيتية بأبعاد متفاوتة إلى مفارقة مدهشة، هي أنه كلما طالت السنوات التي قضاها الفنان خارج بلاده زادت وتكثّفت انعكاسات هذه البيئة التي غادرها في أعماله، وتبلورت في صيغ حداثية تعجّ بالألفة والائتناس، وتشعّ حرارة ضمنية رغم الألوان الداكنة.

إحالات سحرية

بدت هذه التجليات متّقدة الجوهر، وليست ناجمة عن تفجرات ذاكرة لاقطة توقّفت عند شريط الماضي، إنما هي وليدة اشتغال مباشر في الهواء الطلق، وتفاعلات حيوية مع كل تفاصيل المشهد المصري الراهن، في المدن والقرى والصحراء، وليس فقط في “القاهرة الساحرة” التي شكّلت عنوان المعرض بوصفها الأكثر حضورا في اللوحات.

ويوضّح مليكة لـ”العرب” أن تلك الإحالات السحرية التي يقترحها في عنوانه ولوحاته حاضرة في ما هو شعبي وبسيط في اللحظة الآنية بمصر، بتمثلاتها البارزة في أزقة القاهرة التاريخية وحاراتها وأحيائها القديمة والفقيرة، المزدحمة بالناس والبيوت والمقاهي والمطاعم والأسواق ووسائل المواصلات (وأحدثها التوك توك).

هكذا اندفعت ريشته إلى الأزقة والشوارع الخلفية، وإلى الأحياء المهمشة أو تلك التي يطلق عليها عشوائية، ليضيء عالما ثريا بالحياة، لنرى ونسمع ونتتبع أصوات البشر والتوك توك وسائقيه من الشباب الصغير والباعة، ونرى كيف تمضي هذه الحياة في هذه الأحياء بينما يخيّم السلام على فقرائها، وكيف تنفتح طاقات النور في أرجائها.

إنها أحياء لا تختلف عن أحياء القاهرة الفاطمية حيث حي الجمالية والغورية وشارع المعز، فقط هذه الأحياء القديمة تأخذ عراقتها من تلك الآثار الإسلامية المنتشرة داخلها وحيوية وخصوصية سكانها. لكنها بالنهاية لا تبتعد حيوات إنسانها عن حيوات ذلك الإنسان في الأحياء الفقيرة المهمشة على أطراف القاهرة.

جمال مليكة: تقدميّة الفن مرهونة بنبض الحياة وبإعادة الصلة مع الجذور المحلية

حيوات ظاهرة أيضا في الريف المحتفظ بنضارته واخضراره على الرغم من زحف عناصر الحياة العصرية، وفي صفحة النيل التي لا تزال تسكنها القوارب وسفن الرحلات النهرية بين الجنوب والشمال، وصفحة الصحراء التي لا تعني الاصفرار والحياة القاسية بقدر ما تعكس نصاعة القلوب وبكارة الفطرة الإنسانية.

ويعترف مليكة أن كل هذه المثيرات الجمالية مجتمعة هي التي تصنع من تلقاء ذاتها وهج اللحظة الدافئة في الفن، ويضيف “هنا معنى سحريتها وتجاوزها معيار الواقع المعيش، فالضجيج والتدافع مثلا، وربما الشجار، والفوضى والعشوائية، ولهاث المارّة في الشوارع نحو محطات المترو، وأدخنة المطاعم وضوضاء المقاهي، وكل تفاصيل المعاناة والضغوط اليومية، وما هو محسوب على الإزعاج وربما القبح، يتحوّل فنيا إلى هذا النبض الحيوي المتدفّق بنكهته المحلية القريبة من قلب المتلقي وذائقته، فلا تنفر الحواس من اللقطة، بل تتجاوب معها على نحو إيجابي”.

ويؤمن الفنان بأن تقدمية الفن ووثباته الطليعية “ليست في التجريد الأجوف والصيحات الوافدة المستنسخة دون تطويعها وتكييفها وفق معطيات شخصية ومكتسبات موروثة ومعرفة ذاتية، وإنما هي مرهونة في المقام الأول بزاوية الالتقاط، حتى وإن كان فوتوغرافيا، وبكيفية قراءة وجه الحياة السافر، واستشفاف بشاشتها وتفتحها، وبإعادة الصلة مع الجذور والمنابع المحلية” على ألاّ يكون ذلك من خلال اجترار ما كان أو بتثبيت صورة باردة لما هو كائن، لكن بإعادة إنتاج المخزون الثقافي والحضاري والفلكلوري بمفاهيم مغايرة، وتضفيره مع مستجدّات المشاهدات اليومية في عصرنا الحالي بكل ما فيه متناقضات.

الظاهر والكامن

من أبرز ملامح تجربة جمال مليكة انحيازه للكامن على حساب الظاهر في رحلته نحو توليد الدهشة، فهو في تقديمه للأشكال، من بشر وأشجار وبيوت وقوارب وغيرها، لا يقف عند الخطوط والملامح، وإنما يتقصّى ما وراء الثابت من حالات، وما خلف الجامد من سيولة، وما وراء السطح من طقوس نفسية.

ولا يتعاطى الفنان التشكيلي مع الألوان بحسب دلالاتها وتأثيراتها النمطية، فلوحات المعرض كلها منحازة إلى الألوان الداكنة، كالبني والأزرق والأخضر القاتم، لكنها رغم ذلك تحمل بهجتها وإشراقاتها، النابعة من روح الحالة ومصداقيتها، وليس من البهرجة المصنوعة.

يتمتع مليكة في لوحات معرضه هذا ومعارضه السابقة بتقنيات عالية يعتمد بعضها على أبحاثه الذاتية في تكوين خاماته، والبعض الآخر على ما هو متاح أو ما هو في المتناول من ألوان زيتية أو أكريليكية أو مادة الراتنج دون الاعتماد على الخامة بأن تكون أساسية حتى لا تكون أحد أبطال أعماله.

تجسيد جمالي لشوارع القاهرة بحلوها ومرها

وكما تكشف اللوحات جولات الفنان بأدواته من مكان إلى آخر، تكشف أيضا تحوّلاته الجمالية من حال إلى حال سابحا بين ألوانه لينسج من درجات الأحمر والأبيض والأصفر صخب الحياة وأضواء ليل القاهرة وانعكاسها على العشوائيات غير المنتظمة بسحرها الغامض وأشكالها المتفاوتة، ثم ينتقل إلى درجات البنيات وهي الغالبة على اللوحات وتعاملها مع اللون الأزرق القاتم حتى يمثل حالة لهروب الشكل في عتمة الليل واحتوائه الغامض للتفاصيل.

كما تنتقل لوحات المعرض بين اللون الأوكر وثرائه كونه لونا أصفر بنيا قريبا من لون الأرض الطينية الطبيعية، حتى يصل إلى اللون الذهبي وكأنه يندمج وينصهر بينهم وبين ما يحفل به البشر من تاريخ.

تشخيص طفولي

يميل مليكة إلى الحركة في لوحاته، مبرزا أشخاصه وكائناته الديناميكية بأبعاد ثلاثية، وموضحا اتجاه الحركة، كما في حضورها الفيديوي أو السينمائي، وذلك من خلال تدرجات الألوان والظلال، وحساسية التعامل مع الأضواء.

ويؤكّد الفنان المصري لـ”العرب” أن كلمة السر في أعمال المعرض هي “النزعة إلى الطبيعية والابتعاد عن أي افتعال”، ومن أجل هذا الحرص على قنص اللحظة الحياتية في اشتعالها وسخونتها فقد “أنجزتُ بعض اللوحات في موقع الحدث فعليا، فيما التقطت صورا فوتوغرافية لبعض المشاهد الأخرى من زوايا خاصة برؤية التشكيلي والسينمائي، لتكون منطلقا للوحات لم يكن المكان ليسمح بتنفيذها كاملة في موقع حدوثها”.

ولا يعني اصطياد اللحظي في تجربة مليكة إهدار التاريخي، فالمشهد الراهن يأتي عادة محمّلا بخلفياته التراثية والثقافية، فالفنان في تصويره لمراكب النيل الحالية لا يمحو ما علق بذاكرته منذ الصغر من مراقبة يومية للمراكب الشراعية والقوارب التي كانت تعبر في قريته، ما يجعل الصورة لديه بمثابة فكرة مراوغة، متعدّدة الأوجه، عابرة للزمن، ولعبة طفولية، أكثر منها تشخيصا لحقيقة مرئية.

وهو يعترف أنه بذهابه، أو بعبارة أدق باسترجاعه، عبر ريشته بعضا من ملامح قريته عزبة نصرالله في ضواحي مدينة بني مزار بمحافظة المنيا (240 كيلومترا جنوب القاهرة) والتي عاش فيها أجمل ذكرياته في أحضان جده حبيب وجدته حنينه راقصا بين نخيلها ببراءة طفولته وتحت نخلته المفضلة شريكة وحدته التي يطلق عليها “نخلة جمال”، إنّما يعمل من خلال هذه الزيارة الارتدادية إلى تنشيط ذاكرته وربما ذاكرة زائر معرضه لاستحضار روعة الريف المصري وتكويناته وتشكيلاته البسيطة وما يضفيه على اللوحة من طاقات نور وسلام.

وهو في ذلك يقول “بيوت القرية ونخيلها تلامس السماء بصفائها اللوني مع ألوان الحقول لنستشعر الهدوء والسكينة والوداعة التي نفتقدها في المدن الكبرى”.

تشكيل

من هناك يعزف مليكة عوالمه بين الماضي والآني دون أن تغيب عنه أصالة الإنسان المصري وعمق تاريخه الحضاري، لنرى ألوانه وتكويناته متّسقة مع واقع الروح المصرية الباحثة عن الحياة، لذا حين نتتبع متأملين لوحاته حول وسط القاهرة وأحيائها الفاطمية بالليل، لا يستطيع الناظر إلى لوحاته أن يفصل تكويناتها الجمالية عن أعماله التي تتبع فيها الأحياء الشعبية الحديثة بزحامها وعشوائية الحركة داخلها، إلى جانب رسمه الشفيف للريف بطبيعته الهادئة وموروثه العفوي التلقائي القابع في الذاكرة، والنيل بما يكتنزه من رموز وأساطير لا تزال تشع في الوجدان دلالات الترحال والعطش والجدب والنماء.

هكذا يفضل الفنان المصري العيش في الهامش والمتن معا غير منفصل عن التغيرات والتطوّرات التي جرت بحلوها ومرها، بجمالها وقبحها أيضا، فالمهم عنده هو إضاءة جمال الروح المستغرق في وجع وعشق الحياة، وهكذا فعل رواد الحركة التشكيلية المصرية الذين التحموا بالروح المصرية عبر مختلف تجلياتها دون انحياز لفئة أو طبقة أو تهويم خيالي في غرف مغلقة، الأمر الذي مكنهم من تحقيق بصمة وعلامة في تاريخ الفن التشكيلي المصري والعربي والعالمي أيضا.

وهذا ما يمضي عليه مليكة القبض على تلابيب خصوصية ما تملكه مصر من جمال، حتى لو اتهم هذا الجمال – الآن – بالعشوائي، ففي هذا العشوائي كثيرا ما تكمن الروح الأصيلة.

14