جمال منحوتة في الصحراء تفتح دفتر التاريخ السعودي القديم

المنحوتات المقامة في ثلاثة نتوءات صخرية تعكس مستوى من المهارة لم يسبق له مثيل في أشكال أخرى من فنون النحت في الصحراء السعودية.
الأربعاء 2018/02/28
في انتظار حل اللغز

الجوف (السعودية) - تحت أشعة الشمس الحارقة في قلب الصحراء، يشير حسين الخليفة، وهو أحد المسؤولين المعنيين بحماية التراث في السعودية، بفخر إلى أشكال جِمال منحوتة في الصخر، في اكتشاف لافت لا تزال تلفه ألغاز كثيرة.

فقد حصل هذا الاكتشاف داخل ملكية خاصة في صحراء الجوف في شمال المملكة ويشمل حوالي اثنتي عشرة منحوتة تعود إلى حوالي ألفي عام وبعضها متضرر جراء تآكل الصخور أو أعمال تخريب.

هذه المنحوتات المقامة في ثلاثة نتوءات صخرية تعكس مستوى من المهارة لم يسبق له مثيل في أشكال أخرى من فنون النحت في الصحراء السعودية.

ويروي الخليفة، وهو عضو في بعثة أثرية سعودية فرنسية، أنه اكتشف عرضا هذه المنحوتات بعدما أخبره صديق له عن منحوتات في الجبل على شكل جمال.

ويقول، “لدى توجهي إلى المنطقة اكتشفت أن الجمال منحوتة في نتوءات الجبل. هذا أمر فريد حقا”.

وتكتسي الجِمال أهمية كبيرة في المناطق الصحراوية بفضل قدرتها على التحمل، فضلا عن الإقبال على لحومها وحليبها، وهي لطالما شكلت موضوعا رئيسيا في المواقع الأثرية السعودية، لكن للمنحوتات الصخرية المكتشفة في منطقة الجوف قيمة خاصة.

فبعض هذه المنحوتات مقامة في نواح مرتفعة جدا في الجبال ما يدفع إلى الاعتقاد بأن إنجازها تطلب الاستعانة بحبال أو سقالات.

وتتميز إحدى هذه المنحوتات بشكل خاص وهي تمثل جملا يقابله حيوان آخر يبدو أنه حمار أو حصان، وهما من الحيوانات غير الحاضرة بقوة في فن الكهوف في المنطقة.

وتوضح ماريا غانيان من معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ الإنساني ومقره في ألمانيا أن “المنحوتات بالأبعاد الثلاثة تؤشر على مهارة كبيرة لناحية الواقعية والحجم”. وتقول “هذا الأمر قد يغير طريقة فهمنا لدينامية السكان ما قبل التاريخ وسماتهم الثقافية”.

لكن غموضا كبيرا لا يزال يكتنف هذه المنحوتات لناحية من نفّذها والأدوات المستخدمة فيها.

نحت حرفي
نحت حرفي

ويشير الخليفة إلى تقارب مع الأعمال العائدة إلى حقبة الأنباط وهم عرب قدامى يُعرفون خصوصا بتأسيسهم مدينة البتراء الأثرية في الأردن حاليا.

وقال جهز الشمري، مدير عام فرع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بالجوف، إنه تم اكتشاف ما يزيد على 12 منحوتة جمل وحيوانات أخرى في الموقع، مضيفا “هذه أحد الأعمال الفنية الموجودة للجمل وشبه مكتمل، حيث نلاحظ  عملية الإتقان في العمل، الأقدام، البطن، كل التفاصيل واضحة، وما يميزها الدقة في الأبعاد، فهو عمل فني متناسق مع بعضه وهذا دليل على براعة النحات في عمله”.

يقول عالم الآثار غيوم شارلو من المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا عن هذا الاكتشاف “نقوش بسيطة في الكثير من الأحيان من الإبل العربية من دون تضاريس أو واجهات منحوتة من الحجر، وبالإضافة إلى ذلك، بعض تماثيل موقع الجمل على واجهة الصخور العليا تثبت المهارات التقنية التي لا جدال فيها، ويمكن اعتبار موقع الجمل الآن عرضا رئيسيا لفن الصخور السعودية في منطقة خاصة مواتية للاكتشاف الأثري”.

ويعتبر أن “هذا اكتشاف علمي مهم يذكرنا بأهمية التاريخ السعودي في حقبة ما قبل الإسلام”.

ويضيف شارلو الذي يدير البعثة مع الخليفة “لا يسعني إلا أن آمل في أن يسهم ذلك في تعريف الناس على الغنى الكبير للتاريخ السعودي”.

وتتميز منحوتات الجوف بتنوع الأساليب المعتمدة في إنجازها ما يدفع إلى الاعتقاد بأنها أنجزت على يد فنانين عدة. ويعتبر علماء آثار أن هذا الموقع ربما كان مستخدما لأداء طقوس دينية أو أنه كان محطة استراحة للقوافل أو حدودا بين منطقتين.

ويوضح شارلو “فرضيتي اليوم هي أن النحاتين كانوا من سكان المنطقة والموقع كان ذا رمزية كبيرة على الطرقات التي كانت تسلكها القوافل إلى بلاد ما بين النهرين”.

وتزخر الصحراء السعودية بالمواقع الأثرية، وبعضها اكتشف أخيرا بفضل استخدام تقنيات جديدة.

لكن لإيجاد أجوبة عن كل الأسئلة المتعلقة بالجِمال، لا يزال يتعين القيام بعمل ميداني مضن.

ويصعب تحديد تاريخ الكثير من المنحوتات المتآكلة، فيما يعتبر علماء الآثار أنها أنجزت خلال القرون الأولى قبل الميلاد.

وتقول غونيان إن هذه المنحوتات “العائدة إلى ما قبل تدجين الجمل تمثل نماذج برية ربما كانت قد اصطيدت، والصيد الناجح كان يكتسي ربما أهمية حيوية لبقاء السكان المحليين”.

وتراقب السلطات السعودية حاليا الموقع لمنع صائدي الكنوز من دخوله وهي تسعى للاستحواذ عليه من مالكه الخاص.

إلا أن ألغازا أخرى لا تزال بلا حل، كالتي تحيط بالنتوءات الصخرية التي تشبه الوجه البشري عند النظر إليها من زاوية معينة.

ويقر الخليفة بأن أسئلة كثيرة لا تزال بلا أجوبة.

20