جمال ولد عباس.. جبهة التحرير الجزائرية سفينة نوح فيها النبي وفيها غيره

أمين عام الحزب الحاكم يحسب له تحكمه الجيد في ورقة العهدة الخامسة لبوتفليقة، وافتكاكها من كل الساعين إلى توظيفها لبلوغ أغراضهم السياسية.
الأحد 2018/08/05
جمال ولد عباس يحتمي خلف بوتفليقة لينجو من حراك الحزب الحاكم

كثيرة هي المعاني المستنبطة من مقولة شهيرة للأمين العام السابق لجبهة التحرير الجزائرية وحكيم السياسيين الجزائريين الراحل عبدالحميد مهري، وفحواها أن “جبهة التحرير كسفينة نوح عليه السلام، فيها النبي وفيها الحيوان”. كتعبير عن التنوع والتفاوت الفكري والثقافي والسياسي البشري داخل أعرق الأحزاب السياسية في الجزائر، وها هي النبوءة قد تحققت بمجرد مقارنة بسيطة بين دهاء أمين عام كالراحل مهري، وبين تهريج مسؤولي الجبهة الحاليين.

وفي هذا السياق، لا يتورع الرجل الأول في الحزب الحاكم بالجزائر جمال ولد عباس، عن توظيف الجد والهزل واختلاق البطولات من أجل إقناع محيطه ومناضليه بأحقيته وجدارته بقيادة أعرق الأحزاب السياسية في البلاد، ولو تطلب ذلك منه اصطناع حوادث وروايات لم يصدقها أحد، كأن يكون مناضلا تاريخيا رفيقا للحلقة الضيقة التي فجّرت ثورة التحرير، أو أن يكون زميلا للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في الجامعة، رغم فارق السن الكبير، أو ابتكاره لآلة تصوير، وغيرها من المزاعم.

لقد تحول الرجل الذي اعتلى عرش جبهة التحرير الوطني العام 2016، بعد تنحية سلفه عمار سعداني بأوامر فوقية، إثر صراع حاد بين محيط الرئيس بوتفليقة وجهاز الاستخبارات المنحل، إلى واحد من الشخصيات المثيرة للتنكيت والسخرية لدى الرأي العام والغاضبين في الحزب الحاكم، ولا أحد من الصحافيين يتمنى رحيل الرجل، لأنه مصدر ترويح عن النفس من عناء مهنة المتاعب.

بابا نويل الجزائري

بدأ نجم ولد عباس يسطع منذ تنصيبه على رأس هيئة الهلال الأحمر الجزائري، بعد قيادته لنقابة الأطباء عدة سنوات، وهي الفترة التي على إثرها أطلق عليه لقب “بابا نويل “، من طرف رابح بوغابة، أحد جنرالات المؤسسة العسكرية.

 ففي زيارة لإحدى البلدات في محافظة البليدة في تسعينات القرن الماضي، من قبل سلطات عسكرية ومدنية لمعاينة سكانها بعد اجتياح مجموعة إرهابية لها، وفي حضور وفد إعلامي مرافق له، ظهر الرجل بزي أحمر وجزمة صفراء، أثارت اهتمام جنرال الجيش وتساءل “من ذلك.. بابا نويل؟” فقيل له جمال ولد عباس رئيس هيئة الهلال الأحمر، ومذاك بقيت الكنية تلاحقه أينما حل أو ارتحل.

الرجل الأول في الحزب الحاكم بالجزائر جمال ولد عباس، لا يتورع عن اختلاق البطولات من أجل إقناع محيطه، ولو تطلب ذلك اصطناع روايات لم يصدقها أحد، كأن يكون مناضلا تاريخيا فجّر ثورة التحرير، أو أن يكون زميلا للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في الجامعة، أو ابتكاره لآلة تصوير، وغيرها من المزاعم.

ورغم توسع دائرة الغاضبين والأجنحة المناوئة له في صفوف الحزب، استطاع ولد عباس، الصمود في وجه كل المطبات ورياح المعارضة الداخلية، لأن خلافته لسعداني جاءت أيضا بأوامر فوقية وبإسناد من جهات نافذة في السلطة، من أجل توظيف الحزب في تمرير أجندة سياسية معينة، وهي الورقة التي مكنته من التعمير في منصبه رغم هشاشة وضعه الداخلي.

تغلغل المال السياسي

ولد عباس يشهد له بقدرته وتحكمه في فن التسلق
ولد عباس يشهد له بقدرته وتحكمه في فن التسلق

ويرى معارضون له أن ولد عباس، يعتبر أسوأ أمين عام تعرفه جبهة التحرير الوطني منذ تحولها إلى حزب حاكم في نظام الأحادية والتعددية معا، ويعيبون عليه الشخصية الضعيفة والتفرد بصناعة القرار الحزبي، وتجاوز مؤسسات الحزب، وضعف الخطاب السياسي وإدارة شؤونه من خارج هيئاته، في إشارة للجهات التي يستند إليها في هرم السلطة.

ويُتهم ولد عباس بأنه سبب تراجع حصيلة الحزب في الانتخابات التشريعية والمحلية التي جرت في السداسي الأول من العام الماضي، بسبب رداءة الخطاب السياسي واعتماد أسلوب التزلف والتملق المبالغ فيه، لدرجة أنه أفقد الحزب بريقة وشخصيته وجعله أداة طيعة في خدمة شخص، بعدما كان مدرسة للتكوين السياسي وفضاء تستلهم منه العبر والدروس، أثناء العقود الماضية.

ورغم احتفاظ جبهة التحرير الوطني بصفة “الحزب الحاكم” والأغلبية في المجالس المنتخبة، إلا أن التحولات التي شهدها أثناء عهدة ولد عباس، كرست فيه المحاباة والمحسوبية وتغلغل المال السياسي ورؤوس الفساد، بعد عرض صدارة اللوائح الانتخابية والمراتب الأولى للمزايدات المالية، من طرف الحلقة الضيقة التي كان يديرها في هرم الحزب.

ولد عباس يملك قدرة فائقة على امتصاص الصدمات والنهوض من السقطات، فمسلسل الانحرافات والزلات لازمه منذ اعتلائه عرش الحزب، ورغم ذلك صمد في وجه كل محاولات تنحيته، فتلاعب بمواعيد ندوة اللجنة المركزية المخولة بإسقاطه ولم تنعقد إلى حد الآن

ويذكر مسؤول سابق في الحزب، بأن ولد عباس يشهد له بقدرته وتحكمه في فن التسلق، فقد استطاع في ظرف سنوات قليلة أن يتدرج في عدة مسؤوليات سامية في الدولة، إلى أن صار الرجل الأول في الحزب الحاكم، وله طموح كبير في أن يصبح المنظّر أو صانع الرؤساء في البلاد، ومع أنه في نهاية ثمانينات القرن الماضي كان يتودد لكي يحظى بمقابلة من عبدالعزيز بلخادم عندما كان يشغل منصب رئيس المجلس الشعبي الوطني حينها، فإنه لا يتحرج من تجاوز الجميع والتسلق على ظهورهم من أجل بلوغ أهدافه.

تمكن ولد عباس من تجاوز ورطة الانتخابات التشريعية والمحلية السابقة، بسبب الظروف والملابسات التي أحاطت بعملية إعداد قوائم جبهة التحرير الوطني في الاستحقاقين الانتخابيين اللذين نظما خلال السداسي الأول من العام الماضي، لا سيما بعد فضائح الرشاوى والعمولات التي انفجرت في الحلقة الضيقة بهرم الحزب، حيث أُخضع للتحقيق الأمني، بعد اتهامات بـ”استلام مبالغ مالية ضخمة من طرف نجله الوافي والعثور على ملفات ترشح في بيت العائلة”، وضلوع مسؤولين سامين في الحزب في عمليات مماثلة، وهو ما وصفه معارضوه بـ”بيع لوائح الترشيحات”.

ورغم اعترافه في أحد تصريحاته بالخضوع للتحقيق والتعبير عما أسماه بـ”ثقته في أجهزة الأمن والمحققين”، في تلميح إلى براءته مما وصف حينها بـ”الفضيحة التي هزت أركان الحزب الحاكم”، إلا أنه لم يكشف إلى حد الآن عن نتائج التحقيق ولا عن الحقائق المتصلة بالجدل الذي أثير حول عملية الترشيحات، وما شابها من انتقادات واتهامات، ولو أن الرجل عللها بالحراك المتجدد في حزبه، عكس الأحزاب السياسية الأخرى التي تفشل حتى في إيجاد من يترشح للانتخابات تحت لوائها.

الاستقواء على الخصوم

ولد عباس لا يتردد في إبداء ولائه السياسي والوجداني للعائلة
ولد عباس لا يتردد في إبداء ولائه السياسي والوجداني للعائلة

يملك ولد عباس قدرة فائقة على امتصاص الصدمات والنهوض من السقطات، فمسلسل الانحرافات والزلات لازمه منذ اعتلائه عرش الحزب، ورغم ذلك صمد في وجه كل محاولات تنحيته، فتلاعب بمواعيد ندوة اللجنة المركزية المخولة بإسقاطه ولم تنعقد إلى حد الآن، وجدد ثلثا هيئة المكتب السياسي للتخلص من خصومه، وفعّل لجنة التأديب الحزبية للجم نشاط مناوئيه، وأجهض مبادرات سحب البساط من تحته تحت مسمى ترشيح الرئيس بوتفليقة للولاية الرئاسية الخامسة.

يحسب للرجل تحكمه الجيد في ورقة العهدة الخامسة لبوتفليقة، وافتكاكها من كل الساعين إلى توظيفها لبلوغ أغراضهم السياسية، وفوق ذلك لا يتوقف عن الاستقواء على خصومه ومناوئيه بتزكية مفترضة من بوتفليقة لشخصه، ووفائه غير المشروط له، وضبط كل شيء يتحرك داخل الحزب على ساعة قصر الرئاسة، خاصة مع انفراده المبكر ببعض القرارات والخيارات السياسية قبل أن يعلن عنها رسميا من طرف رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء.

وقد سبق له وأن تمكن في ظرف أسابيع من وأد أول حراك كان يريد الإعلان المبكر عن دعمه وترشيحه لبوتفليقة لعهدة رئاسية خامسة، وأحال محركه النائب البرلماني عن محافظة عنابة ونائب رئيس الغرفة الأولى للبرلمان بهاء الدين طليبة، على لجنة التأديب بدعوى الخروج عن خيارات الحزب وإحداث انشقاق داخلي، لأن الرجل لا يريد من أي كان أن يفتك منه الانفراد بالولاء وترشيح بوتفليقة.

ولد عباس من أغرب القيادات التي تداولت على الحزب الحاكم في البلاد، إن لم يكن الوحيد بتصريحاته المثيرة ومزاعمه الغريبة، فهو {يؤدي صلاة التراويح خلف التلفاز منذ سنوات، لأنه لا يخرج بعد الإفطار في شهر رمضان إلى خارج البيت منذ سنوات العشرية الحمراء، خوفا من الإرهاب}، لكنه يتغنى دوما بـ'الأمن والاستقرار اللذين تنعم فيهما البلاد بفضل حكمة ودهاء الرئيس بوتفليقة'

ورغم بوادر استناد ولد عباس إلى جهة نافذة في السلطة، وامتلاكه لبعض الأوراق الاستباقية، إلا أن الغموض الذي يلف موقف السلطة في مسألة مرشحها للانتخابات الرئاسية القادمة، بالتجديد أو الخلافة، ألمح إلى أن الرجل يفتقد للمفاتيح الهامة في اللعبة، بدليل أنه رغم الإعلان والحشد المبكر لتزكية جبهة التحرير الوطني لبوتفليقة في استحقاق ربيع 2019، إلا أنه لا زال يجهل الموقف الرسمي والحقيقي لموقف رئيس البلاد من الترشح أو عدمه.

لا يتوانى ولد عباس عن توجيه نيرانه إلى أقرب حلفائه في معسكر السلطة، ولا يتردد في انتقاد رئيس الوزراء الحالي ورئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحيى، واتهامه بالتخطيط لخلافة بوتفليقة والانقلاب عليه، ويعتبره من أبرز الوجوه الخطيرة على مستقبل السلطة الحالية، وكان وراء حملات شعواء ضده خلال الأشهر الأخيرة، رغم أن الحزبين، والرجلين، يعدان الذراعين السياسيتين لتكتل السلطة.

ولأنه يذكر بأنه شب وترعرع في بيت بوتفليقة بمحافظة تلمسان في أقصى الغرب الجزائري، فإنه لا يتردد في إبداء ولائه السياسي والوجداني للعائلة، وفي الدفاع عن أفرادها الواقعين تحت الأضواء الإعلامية والسياسية، على خلفية دورهم في إدارة مؤسسة الرئاسة وحتى شؤون البلاد، ويعتبر نفسه واحدا منهم، له ما لهم وعليه ما عليهم.

مناضل تاريخي أم عميل للاستعمار

من أغرب القيادات التي تداولت على الحزب الحاكم في البلاد
من أغرب القيادات التي تداولت على الحزب الحاكم في البلاد

 القيادي في ثورة التحرير عبدالقادر عبيد البركشي، نفى في شهادة حررها بنفسه، أن يكون ولد عباس من فئة ما يعرف بـ”المحكوم عليهم بالإعدام من طرف الاستعمار الفرنسي خلال ثورة التحرير”، أو من مقاومي الاستقلال الوطني، ودعاه إلى الكف عن انتحال صفة المناضل التاريخي والمقاتل الميداني من أجل بلوغ أهداف سياسية ضيقة، والأدهى من كل ذلك اتهمه بـ”العمالة” للاستعمار، ومع ذلك لم يتحرك أي شيء في جبهة التحرير الوطني، التي بنت رصيدها من نضالها التاريخي وقيادتها لحرب تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي.

وذهب ناصر بوضياف، نجل الرئيس الراحل المغتال في 1992 محمد بوضياف، إلى تكذيب ما أسماه بـ”المزاعم الكاذبة لولد عباس”. وصرح للصحافيين، بأن رفاقا لوالده أبلغوه بأن الرجل لم يكن في أي يوم من الأيام من جنود أو ضباط جيش التحرير الوطني، وأن الاعتراف بالانتماء لفئة المحكوم عليهم بالإعدام حصل عليه في 1985 فقط.

 ويبقى الرجل من أغرب القيادات التي تداولت على الحزب الحاكم في البلاد، إن لم يكن الوحيد بتصريحاته المثيرة ومزاعمه الغريبة، فهو “يؤدي صلاة التراويح خلف التلفاز منذ سنوات، لأنه لا يخرج بعد الإفطار في شهر رمضان إلى خارج البيت منذ سنوات العشرية الحمراء، خوفا من الإرهاب”، حسب ما أدلى به للصحافيين، لكنه يتغنى دوما بـ”الأمن والاستقرار اللذين تنعم فيهما البلاد بفضل حكمة ودهاء الرئيس بوتفليقة في معالجة الأزمة الأمنية بالوئام المدني والمصالحة الوطنية”.

كما أن الوضع الاجتماعي في الجزائر أحسن مما هو عليه الوضع في الولايات المتحدة الأميركية والدول الاسكندنافية، حسب منظور الرجل الذي يرى البلاد بمنظار آخر غير منظار الجزائريين أو أنه يعيش في كوكب آخر غير كوكب الأرض، مما صنفه برأي ناشطين في شبكات التواصل الاجتماعي، في خانة رعيل آخر من الفنانين الكوميديين، لأنه أبان عن قدرات عالية على إضحاك الجزائريين على همهم، وعلى منافسة عادل إمام وعثمان عريوات.

8