جمانة جمهوري: العين لا ترى بل تحلم

الأحد 2014/09/21
زمن السرعة يتجلى في أن كل لحظة نحاول فيها الإمساك بصورة ما، تكون قد أصبحت من الماضي

يستضيف مركز بيروت للمعارض معرض “الخيال الجامح، تموّج عبر الحقيقة” للمصورة الصناعية جمانة جمهوري. استمر شهرا كاملا، وانتهى قبل أيام.

تعتبر الفنانة جمانة جمهوري التصوير الصناعي الذي تتخصّص به، كنزاً غير مكتشف، حيث أن كمّ الموضوعات والأبعاد والألوان والمواد والعنصر الإنساني لهذه البيئة الاستثنائية وتآلف هذه العناصر، يخلق تباينات غير متوقعة وأجواء ملهمة إلى حد كبير.

تكشف لنا أعمال المصورة الصناعية جمانة جمهوري عن عوالم لا حصر لها، تجعل المشهد الماثل أمام أعيننا خدعة مفتوحة على مساحات شاسعة من التأويل، تلقي بكل المفاتيح خارجا، وتترك المشاهد يخترع خياله بنفسه، حيث لا تشكل الصور سوى محفز، فهي تعلن عن نفسها بحياء، قبل أن تختفي تماماً تاركة المجال لسيادة الخيال.

لا يمكن تحديد مشهد واضح في أيّ من صور جمانة، فما نعرفه، والذي كان سابقا آلة صناعية أو جهاز قياس حرارة أو محولات كهربائية أو مولدات طاقة أو مجموعة من الأنابيب المعدنية، لا يمكن العثور عليه بهيئته الأصلية على الإطلاق، بل في صيغة التحول فقط. هذه التحولات لا تفصح عن معنى مكتمل، ولا تردد أصداء سياق واضح، ولكنها تدافع عن نفسها ضد أيّ محاولة لتجميدها في وضع محدد.


مشاهد مؤبدة


تحاول الفنانة عبر التصوير الفوتوغرافي، الذي يقوم على التقاط مشهد محدد وسجنه في صورة، أن تخلق شيئا آخر يتناقض في طبيعته وفي جوهره وروحه، مع كامل منطق التصوير الفوتوغرافي. فهي تلتقط مشهدا لا يحكي سوى عمّا لا يحضر فيه مباشرة. تؤبد المشهد في الحركة، في حين أن الصورة الفوتوغرافية تسجنه في حالة التوثيق.

لا نعلم ونحن نشاهد الصور إن كانت حقيقية، الحقيقي فيها يبدو وكأنه يعاني من نقص فاضح في القدرة على الدخول في سياق دلالي، لذا نكون دوما في حالة اختبار لمدى غياب هذا الحقيقي الذي نراه.

عدسة جمهوري خيال يبحث عن حقيقة

هذا الغياب يركّب علاقة شخصية مع الصورة. العين لا ترى بل تحلم. أفضل وسيلة للنظر في هذا المقام هو أن يغمض المرء عينيه بعد تلقيه الومضة الأولى أو أن يفتحهما بقوة على ما وراء المشهد الملتقط بالعين كحاسة. فالصور تحوّل فعل التلقي إلى حدس، وتصبح العين بصيرة متأملة.


مرايا الخيال


لعل سيطرة السرعة على أحوال زمننا، وتلقينا الدائم لقصف بصري يرمي أمام أنظارنا في كل لحظة كماً لا متناهياً من الصور، يجعل إمكانية التوقف عند أي صورة صعباً ما لم يكن مستحيلا. فهجوم الصور يضعنا أمام العمى، فلا نعود قادرين على تدبر ما نراه ولا على التقاطه. إنه يسبقنا على الدوام ونحن لسنا هدفا له. لا يتوجه إلينا بالخطاب بل يمر عبرنا ومن خلالنا، ولا يسألنا عن رأينا. هو لا يتوقف أبدا، ونحن غير قادرين على التماشي معه. كل لحظة نحاول فيها الإمساك بصورة ما، تكون قد أصبحت من الماضي.


تدمير المعنى


ربما تكمن جدارة مشروع جمانة جمهوري في ذلك الإصرار على التوقف أمام الصور وتأملها. لا تبقى في هذه الحالة مجرد سيلان بصري أعمى ومتوحش وعامر باللامبالاة، بل تصبح زمناً ممكناً دافئاً حنوناً حياً غنيا ً بالتفاعل والتواصل. ترصد فيه الفنانة مشاهد من محيط صناعي، يوصف بأنه الحامل الرمزي لقسوة هذا العالم والمؤشر على تسليعه، وتضعه تحت سلطة المنطق الآلي الذي فرض نفسه على السلوك والعلاقات والعواطف. تصطاد كل هذه المشاهد بكثافة، ثم تقوم بتدمير كل كتلة المعنى التي يحملها.

إن جمانة جمهوري تجعل هذا المحيط الصلب يسيل ويتفاعل، ويطير في عوالم الخيال. تجبر السيرورة الصناعية الحاملة لرمزية زمان الصور، كونها لا تتوقف أبداً، على الدخول في لحظة من الهدوء والصمت. تجبرها على مغادرة حدودها، وعلى الخروج من أسر جهامتها ومعدنها وقسوتها، والنظر إلى نفسها في مرايا الخيال الجامح.

فن تأبيد المشهد في الحركة


انسجام الفوضى


تسوق جمانة كذلك مشاهدا لبيئة عشوائية يسود فيها انسجام كامل بين المكان والناس والأشياء. تحتفي هذه الصور بذلك التجانس الذي صنعته الفوضى والعشوائية. لا وجود لفوضى فوضوية في نظرها، بل إن كل فوضى تخفي تنظيما لم نتمكن بعد من فك شفراته.

الخلو من القصدية والتصميم السابق لا يقدم دائما نوعا من التنافر والعبث، بل ربما يقدم فرصة لالتقاط حالة انسجام باهرة ومفاجئة، لا يمكن لأيّ قصدية سوى أن تقضي عليها.

تجر جمهوري صورها إلى مجال اللوحات الفنية، فتصبح قراءتها فعل انفعال ونشوة وامتلاء بالحدوس، إنها تُسكنها في الأثر. فمن قال إن الحديد لا يغني؟ صور جمانة جمهوري ليست في نهاية المطاف سوى احتفال صاخب بخروج الأشياء والمواد والأماكن من حدودها وتحولها إلى نشيد خيال جامح.

16