جمجمة الوقت: سكين في صدر تروتسكي

الجمعة 2014/01/17
الطرطوسي أعاد “جمجمة الوقت” ليؤكد بأن السكين قد مزقت أحشاء تروتسكي

باريس- صدرت مؤخرا، الطبعة الثالثة لمجموعة “جمجمة الوقت” التي صدرت الأولى منها في عام 1995 عن دار “أرواد للطباعة والنشر” بطرطوس لأحمد م. أحمد. الكاتب والمترجم السوري يطرح العديد من الأسئلة بإعادة نشره المجموعة القصصية ذاتها بعد ثمانية عشر عاما على صدورها، وثلاثة عقود على نشر قصصها في دوريات مختلفة.

يرصد أحمد م. أحمد في مجموعته القصصية “جمجمة الوقت”،عذابات رجل يطحنه السياق الواقعي تماما، ليرث فكرة واحدة فقط، يعتاش عليها، أو تعتاش عليه، إلى أن يلفظا آخر أنفاسهما سوية. مجازيا، لا تتجاوز هذه الفكرة بضعا من الفضلات التي شكلت ملامحه، فحددت معالم هويته، ذلك كله، في زمن أقل ما يقال عنه: إنه زمن رديء.


ثوب النبوة


المواضيع المطروحة داخل القصص القصيرة، سرعان ما تجعل من السؤال الأول يفرض نفسه، بل ويدحض الآخر سريعا. شخوص قادمة من التاريخ، تقاسم البطل المهمش “أحمديوس" جحيم عذاباته في ديكتاتورية “كليبيوس".

المفارقة هنا تبدو كوميدية للوهلة الأولى، إلا أنها سرعان ما تكشف خيوط مأساة كاملة لرجل من القاع السوري، يواجه ظلال الديكتاتور في كافة تفاصيل حياته اليومية؛ بدءا من الشارع وليس انتهاء بسريره، أو في أكثر المناطق سرية: داخل مدارات ذهنه.

إن حضور التاريخ في مجموعة الكاتب والمترجم السوري، عبر استحضار بعض من شخوصه، ليس الهدف منه التأكيد على سطوته بقدر ما هو إعادة اعتبار للراهن المعيش الذي يرتقي للمقدس، مما يزيح حتما صفة القداسة عن التاريخ.

اليومي “المعيش” يتصدّى للتأريخ المؤدلج، يُشرعن المجابهة بين المسحوقين أمام محاولات الديكتاتور المتواصلة في أدلجة التاريخ، بغية إزالة صفة القداسة عن التاريخ وعن مغتصبيه، ليلبس البطل القادم من القاع ثوب النبوة في زمن يحمل كل أسباب الكفر بنفسه.

البطل المضاد لكل تفسير أخلاقي والمنتمي إلى إيدولوجيا القهر، ينزع بتصوفه إلى الأقصى في كل ماهو رديء بالحياة، يستمني بمنظر الدماء، يتلذذ بالاستفراغ طويلا، يجعل من طقطقة كعوب العاهرات موسيقى تضفي نوعا من الخشوع على معبده. مأساة الرجل القابع في الفكرة، هي مأساة رجل يسير إلى حتفه سير كل ماهو باهت ورخيص في الحياة، يمتلىء بأسباب الرفض، إلا أنه لا مكان للبطولة في هذه الجغرافية التي لا تفوح منها غير رائحة العفونة.

الكاتب أعاد الاعتبار للراهن المعيش عبر "جمجمة الوقت"

على هذا النحو: كبير الآلهة “زيوس" يطلب من بروميثيوس أن يكتب تقارير مخابراتية ليخلصه من عذاباته، “كما في إحدى القصص”. شكل الاحتجاج الذي انتهجه أحمد في قصصه، عابر للأزمنة، مؤرق لفكرة العدالة بكافة أشكالها، فلن ينتهي به المطاف إلا بضرورة الإيمان بسلسلة عذاباته على أنها نكوص في التاريخ.

الواقع الدنيء حاصر المخيلة، جعل من عظام الجمجمة قضبانا جديدة لسجن أكثر نجاعة، حيث لا يمكن فصله أبدا عن سياق الاستبداد في الخارج. ممّا يحتم العودة هنا إلى زمن الكتابة: الثمانينات في سوريا.

إنه ليس عقد الجريمة فحسب، وليس هو عقد إخفاء قرائنها كما هو ظاهر، بل هو عقد الجريمة المطلقة بامتياز: الصمت أمام فساد البعثيين وتأصل أشباح المظليين في كافة مرافق الحياة السورية.


أحشاء تروتسكي


إن تأصل الاستبداد، وتجذر العقائدي بالإيدولوجي سيرخي بظلاله على كافة المستويات الاجتماعية، مما سيولد العنف سلوكا وفكرا، ويغدو الجسد المسحوق جزءا من المشاهدات اليومية، لا أكثر ولا أقل. لذلك، يبدو الموت في قصص م. أحمد أداة سياسية، منظرا اعتياديا لكابوس طويل يستمر -بوقاحة مطلقة- في حصد ضحاياه بالخارج. على الرغم من احتواء “جمجمة الوقت” على ثلاث قصص رئيسية “غياهب واعتصار ومتاريس الرجل القابع في الفكرة”، بالإضافة إلى سبع قصص قصيرة جدا، إلا أنها ليست إلا قصة واحدة، تحكي عن عصا الطاغية التي تتفحص جوع الرجل القابع في الفكرة، وتقلبه كما تُقلَب أحشاء الجيفة.

في “الدونكيشوت مطاردا” إحدى القصص القصيرة جدا ضمن المجموعة، يُظهر كلا من الدونكيشوت وسانشو هلعا من أن تكون المخابرات السورية قد وضعت جهاز تنصت داخل غرفتهما، مما يدفع الدونكيشوت إلى تصويب رمحه باتجاه المصباح الكهربائي، ليعمّ الظلام بعدها.

من العجائبي، أن تقع حادثة مشابهة تماما في إحدى القرى السورية بعد عشر سنوات على كتابتها من قبل أحمد: أرادت إحدى قرى الجزيرة السورية التضامن مع انتفاضة الكرد عام 2004 فما كان على مجموعة من أبنائها إلا الذهاب نحو مولدة الكهرباء الوحيدة في القرية، وتحطيمها.

إن حضور التاريخ في مجموعة الكاتب السوري ليس الهدف منه التأكيد على سطوته بقدر ما هو إعادة اعتبار للراهن المعيش الذي يرتقي للمقدس

لذلك، ليس غريبا، أن نسمع اليوم بأن رجلا من سكان مدينة بحرية سورية، قد هرب من جموع العاهرات وشذاذي الآفاق، فوصل حاملا بيده سكينا، ثم ليطعن تروتسكي في فراشه عدة طعنات، كما حدث مع أحمديوس في قصته القصيرة جدا “جمجمة الوقت”، لكن في جمجمة وقت الثمانينات تُرِك للقارئ التنبؤ بمصير تروتسكي فأنهى قصته بالصرخة الأخيرة: “رباه ما الذي أتى بي إلى فراش تروتسكي؟”، دون ان يعرف القارئ مــصير تروتسكــي. لعل الكاتب الطرطوسي يجيب اليوم على سؤال الثمانينات، ذلك بنشره لمجموعته “جمجمة الوقت” من جديد، مؤكدا بأن السكين قد مزقت أحشاء تروتسكي..

14