"جمجمة الوقت" قصص عن دونكيشوت عربي وشعب يصفق للطاغية

الأربعاء 2014/08/06
دون كيشوت صار قاتلا في نظر أحمد م.أحمد

دمشق- تتنوع وظائف القصة القصيرة في المجموعة القصصية “جمجمة الوقت” لأحمد م. أحمد، الصادرة عن دار “أرواد”، في طبعتها الثانية، فحينا تقف القصة عند مفارقة حياتية لتجتث منها لحظة تعكس وسع الكون، وحينا آخر تسعى حبكة القصة إلى تكثيف العالم في أسطر معدودة وتقديم صورة أصيلة عنه.

تجتث القصة الأولى من المجموعة “غياهب” لحظةً عابرةً من سيرورة حياة يومية لأسرة من العالم الثالث، لتصور من خلالها في “غيهب أول” صورة ذكر يضرب أخته بعدما وسمته بـ”المعقد” فتشعل بهذا الوصف فتيل روحه التي غدت “قنبلة تكاد أن تنفجر” ليذهب بعدها إلى “غيبوبة” يجعل منها النص متلازمة للغيهب، فيخرج بطل القصة من غيهبه داخلا في غيبوبة يكشف فيها خبايا ذاته الأعمق، عائدا من العام إلى الخاص، ومفارقا اليومي الحياتي إلى الفلسفي، تنقله لغة تقارب الشعر كلما اقترب النص من ذات البطل.


لغة شعرية


يتقمص الكاتب هنا دور قاتل المفكر اليساري، ويتحوّل عميلا لنظام سياسي جعل من الثائر برموثيوس عاهرا

في “غيهب ثان” تتصدى لغة شعرية اختارها الكاتب لوصف بؤس بطل هذه القصة حينما يصف على لسانه ثلاث حبات من الزيتون “ترمق جوعي باحتقار” ساردا بضمير الأنا علاقة البغض بين أناه “الجائع″ والآخر الموجود في ذاته “حبات الزيتون” التي لا تسد رمق معدته الخاوية، مبحرا بعد ذلك إلى غيبوبة توغل في الذات أكثر من ذي قبل.

في قصته الثانية “اعتصار” يعتصر أحمد التاريخ ليخرج صفوته القائلة بأن التاريخ يعيد ذاته، فيحاكي الحياة الرومانية بتقسيمه القصة إلى ألواح حجرية نقشت عليها قصة أحد مظالم البشرية موطئا بـ”تنويه” يتحدث فيه عن أثر الرقابة في تحويل قصة ظلم المواطن “أحمديوس″ من قبل الطاغية “كلبيوس″ إلى “ملحمة كلبيوس الكبرى”. الظلم، تمجيد القائد المفدى، وفرح الشعب الأعمى بقتل الخائن وهتافهم للطاغية، مفردات تؤلف هذه المحاكاة حيث يُعدم “أحمديوس″ لسبب تافه عُدّ تطاولا على الذات الرئاسية حاله حال الآلاف ممن يُقتَلون اليوم لعين العلة.


حركة الفكرة

تسعى حبكة القصة إلى تكثيف العالم في أسطر معدودة وتقديم صورة أصيلة عنه


يشطح أحمد بعيدا في قصته الثالثة “متاريس الرجل القابع في الفكرة” نحو التشكيل اللغوي، فيعلو بتراكيبه، ويغنيها شاعرية فتسيل متمايزة بين لغة تصوير ترصد حركة الفكرة في فضاء الرجل، ولغة شعر تعلّقُ على ما صُوّر.

فالرجل القابع في الفكرة يتماها معها حيث “تضحك في رأسه”، يتهرب منها فـ”تلصق خدها بخده وتداعب أرنبة أنفه”، بذلك يلهو النص بالرجل والفكرة معا، طورا يحيلهما واحدا لا فكاك لأي منهما عن الآخر، وطورا يجعل لكل منهما كيانا منفصلا إلا أنهما قابعان في الفضاء نفسه لا يفرقهما إلا عصا الطاغية، الطاغية الذي يحول الفكرة إلى شر مبين، ويعكر صفو اللعب بين الرجل والفكرة.

ففي حضرة الطاغية يغدو الرجل عندما “تراوده الفكرة يعييه الوهن، تبتعد الفكرة فيغمره إحساس لذيذ بأن قواه تخور أكثر”، إلا أن عصا الطاغية لا يقدّر لها الفكاك بينهما فـ”الرجل القابع في الفكرة يبقى هكذا، قابعا في الفكرة”.

إن هذا التمرد الذي ينشده النص على الطغاة يتجلى بوضوح لكن بصورة مختلفة في “قصص قصيرة جدا”، التي تتخذ شكل الومضة ذات الأثر السريع، ففي “برموثيوس عاهرا” يصبح العنوان شاهدا على انزياح دلالة الأسطورة الإغريقية تجاه واقعية ما، يؤكدها وصف برموثيوس بـ”الواقعي” في نهاية القصة، إذ يهبط أحمد بلغة برموثيوس إلى لغة الحياة اليومية، على عكس ما فعله في اعتصار، موسعا الهوة التي فتحها بين دال الأسطورة ومدلولها منذ أن جعل من برموثيوس عاهرا، يتسربل برداء واقعي رث يرتديه بعدما رضخ لشرط زيوس في استخبار ما يجري بين البشر، عاملا بإمرته، ساقطا من ثائر أضناه تعب التعذيب على ثورة لم يجنِ ثمارها، إلى (واقعي) “ينحدر مسرعا تجاه أقرب ملهى ليلي في المدينة الكبيرة” ليقضّ مضاجع العهر التي صارت عليها ثورته.


دونكشوت القاتل


في “دونكشوت مطارَدا” لن يحارب الفارس النبيل طواحين الهواء، بل سيزاح من مقامه التاريخي ذاك ليوضع في مقام المتابَع أمنيا، فيدور في فضاء واقعي تكسوه صبغة مخابراتية عربية الطابع تجعل كل من يحيا وسط أنظمتها الأمنية دونكيشوت يحاربُ ما لا يراه.

يهبط أحمد بلغة برموثيوس إلى لغة الحياة اليومية، على عكس ما فعله في اعتصار

ينتقل النص في أقاصيص “المشنقة، الثقب، قهقهات، الموت” إلى شكل الحكاية الأبسط، فيمرر من خلاله في “المشنقة” الصراع الطبقي الناشئة بذوره عند الأطفال، ويسخر في “الثقب” من الخرافة الشعبية متخذا من “الحدوتة الشعبية” شكلا لقصته تلك، بينما يكثف المعنى أيما تكثيف في “قهقهات”، لكنه يعود في “الموت” ليرتقي بلغته، ساردا علاقة رجل أبقاه نكرة وعصافير استفاض في تعريفها، خارجا من تلك العلاقة بصورة ودّ تحيط بـ”رجل” والعصافير، إلى أن يعرّفه في النهاية ضابطا “ببذلته الكاكي وأوسمته وإلهه المعدني” ويجرد بعد ذلك الأرض من معرفتها فتمطر الشجرة “عصافير ميتة”.

كعادته يسعى النص جاهدا إلى إبعاد المسافة بين وجهي الشبه ويكسوها برداء إبهام تتراءى فيه خيوط معرفة ما إن يلتقطها القارئ حتى يتناثر التشبيه مظهرا مقولاته الفكرية وأسرار جماليته اللغوية. ومثال ذلك القصة الأخيرة “جمجمة الوقت” حيث يمنحها الكاتب دور إسدال الستارة على القصص التي قدمها بعين العنوان، فيمنحها ذاته عبر سرده بضمير الأنا أفعالا متتالية تشكل ومضات في طريقها إلى النور الأم.

هنا الراوي يتحرك قدما نحو فعل يبان أنه القتل “ترتفع يمناي والسّكّين في قبضتي، السّكّين تشبه الحقيقة؛ تزيح يسراي اللحاف عن رأسه، وهلة شلل، أصرخ صرخة المذعور: ربّاااه، ما الذي أتى بي إلى فراش تروتسكي!” يتقمص الكاتب هنا دور قاتل المفكر اليساري، ويتحوّل عميلا لنظام سياسي جعل من الثائر برموثيوس عاهرا، وقد زرع رهابا مخابراتيا ذا نكهة عربية في قلب دونكشوت، وأحاله إلى قاتل فكر تحرري أصيل.

14