"جمس" الهيئة وفتاة النخيل

الثلاثاء 2016/02/16

“أما بعد أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقا ولكم عليهن حق… واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلغت… اللهم فاشهد”.

كانت هذه أهم عبارة استوقفت العالم كله، وجعلت الإسلام تحت مجهر العديد من المستشرقين، وجاءت أثناء حجة الوداع في العام العاشر للهجرة، وهي أول وآخر حجّة حجّها رسول الله محمد بعد فتح مكة، وخطب فيها خطبة الوداع التي تضمّنت قيما دينية وأخلاقية عدة، حيث أوصى الرسول فيها بتبليغ الشرع إلى من غاب عنها.

أما لماذا استوقفت هذه العبارة العالم كله، فلكونها من أسس الإسلام العظيم، ولأن الرسول عليه السلام كان مُدركا أنه سيأتي قوم بعده، لن يدركوا قيمة المرأة حتى النخاع، وإلى أيّ مدى سيعاملونها، لأنهم سيعيشون أدوارا مزدوجة في حياتهم مثلما نرى الآن، وحينما ردّد جملة “واستوصوا بالنساء خيرا” لمرتين فإنه يعلن كمال هذا الدين الجليل، والذي لم يأت ليمحو ما سبقته به الأديان السماوية الأخرى أو حتى يستنسخها، وإنما جاء ليكملها على نحو بليغ.

ونلاحظ اهتمام الدين الإسلامي بالمرأة وإنصافها، عبر عدد من الأدلة أهمّها وجود آيات في القرآن الكريم تتحدث عن أهمّ القضايا والمتطلبات الشرعية لها من خلال سورة “النساء”، إلى جانب سورة “مريم”، وهذا تقدير من الله عز وجل للمرأة والتي هي أساس الحياة.

ولكن يبدو أن الموظفين في جهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية، لم يقرأوا شيئا مما جاء في هذا الدين العظيم الخلاق، أو حتى يتنبهوا لمحتوى خطبة الرسول الأخيرة في حياته، وكما يبدو أنهم لم يفهموا ما جاء في القرآن الكريم من انتصار لحقوق المرأة، وهذا ما رأيناه في الحادثة الأخيرة التي وقعت لفتاة سعودية، حيث تمّ سحلها من قبل أحد موظفي الهيئة بالرياض، وعرفت القضية بفتاة النخيل، ولولا وجود الأجهزة الذكية التي قامت بتصوير الحادثة عبر جهاز الجوال، وشهادة رجل الأمن في المجمع التجاري مبارك الدوسري، لكانت القضية قد اتخذت أبعادا أخرى من التأويل والفبركات التي اعتدنا سماعها، ولسقطت الفتاة في بئر عميق من التشوهات التي لن يغفرها لها المجتمع المحافظ.

لهذا فإن شجاعة مبارك الدوسري في قول ما رآه دون خوف من عصا الهيئة، أظنها تحسب لهذا الموظف البسيط، الذي فوجئ برجل الهيئة وهو يمسك بالفتاة بعنف في محاولة لاعتقالها، ممّا دفعه إلى التدخل واستنقاذها من قبضته، وتمكينها من الهرب في حافلة مدرسية.

شاهدت المقطع لمرة واحدة فقط، لم أستطع أن أتقبل هذا التطرف الساحق لفتاة صغيرة، وجزءٌ من ساقيها ينكشف أمام المارة والرجال، وهي تحاول بعد سقوطها المدوّي أن تستره بعباءتها السوداء، بمرارة وبغريزة المرأة التي تخشى الفضيحة، شعرت بالخزي والعار، سواء أكان هذا التصرف في وطني أم كان في أي مكان على ظهر الأرض، هو ذات الشعور الذي مزق قلبي حين قامت المصورة البلجيكية بعرقلة المهاجر السوري وهو يحمل طفله، ونفس الشعور حين تمّ سحل المرأة المصرية من قبل الجيش العسكري إبان التظاهرات الشعبية في مصر، الشعور بالسخرية والمرارة الذي يتوطّدك، وأنت لا تملك حتى الجرأة على الصراخ كما تشاء، إلى جانب الشعور بالخجل لأن ما يخالجك ما هو إلا اضطهاد حتى العمق، وتساؤل يغرقك إلى نهاية الفاجعة، هل ذاق من فعل مثل هذا الخزي الإهانة في حياته يوما ما؟ وهل هذا الدور الذي يلعبه القساة مجرد تصفية لأدوار سبق وأن مورست عليهم؟

الغريب هو التراخي من قبل السلطات الأمنية الداخلية في ما حدث لفتاة النخيل، ولكن المدهش هو صوت الشارع السعودي، الذي خرج من قبل مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، حيث اجتمعوا دون استئذان على رفض مثل هذا التصرف اللا أخلاقي واللا ديني، وقد نشرت صحيفة الوطن السعودية قبل أيام، أن الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد عاقبت الذين شاركوا في الحادثة، ولكنها لم تذكر نوع العقاب، ولا أعرف إذا كانت الهيئة تدرك أنه يهمّ المواطنين السعوديين، معرفة مقدار العقاب الذي تلقاه المتسببون في مثل هذا الحادث، والذي أراه كبيرة من الكبائر التي لا يمكن أن تغتفر، والأغرب من كل ذلك أنها تقول في بيانها الصحافي إنها شكلت لجنة تحقيق في الواقعة، واكتشفت أن الفتاة ارتكبت مخالفة تستوجب الاستيقاف، إلا أن أفراد جهازها لم يلتزموا بآلية الضبط والاستيقاف، ولا أعرف ما هي المخالفة، إذا ما كانوا يقصدون عدم رضوخ الفتاة لأمر واحد من أفرادها بضرورة تغطية وجهها، وهو الأمر المختلف عليه بين عدد من الفقهاء، وحتى إن وجب ذلك، فالأمر لا يستدعي ضرورة الملاحقة والمطاردة لفتاة صغيرة، وإرغامها على الركوب في “الجمس” دون وجود محرم معها.

ولا أودّ إلا أن أقول اللهم أهد إخوة الإيمان للإيمان كما قال “واسيني الأعرج”!

كاتبة سعودية

9