جمعة الرفاعي يكتب في "خارج الموعد" أدب الاعتقال

الاثنين 2014/12/08
الرفاعي يكتب أحلامه وإحساسه المرهف باللغة إلى حد صنع المفارقات اللغوية

جمعة الرفاعي كاتب وشاعر فلسطيني من مواليد قرية كفر عين - رام الله (فلسطين) عام 1978، درس الأدب العربي في جامعة بيرزيت، واعتقل مرتين، صدر له عام 2010 ديوان “سجينيوس”، عن مركز أوغريت الثقافي، يشغل حاليا موقع المدير التنفيذي للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين.

سردية “خارج الموعد” للكاتب والشاعر جمعة الرفاعي، والصادرة عن دار الجندي في 81 صفحة من القطع الصغير، تندرج ضمن أدب السجون والمعتقلات، والذي أفاض في الكتابة حوله كثير من كتابنا الفلسطينيين شعرا ونثرا، لتكون هذه السردية العمل الإبداعي الثاني للشاعر، والتي تتحدث عن تجربته في الاعتقال، بعد ديوانه الأول “سجينيوس”.

لا أريد العودة في الزمن لأكتب عن أدب السجون عند العرب أو عند الشعوب الأخرى ولا عن أي تجارب مشابهة، ولكنني أريد أن ألفت النظر إلى تجذر هذا النوع من الأدب في مسيرة البشرية، بوصفها تجربة إنسانية خارجة عن السياق الطبيعي للعيش الطبيعي للإنسان الأسير.

وكأنها تمثل حالة مجنونة من العيش كحالة فلسفية فكرية ووجودية تستدعي أن تكون فيها مختلفا وخصوصيا، ولنا أن نتذكر هنا الحطيئة، وأبا فراس الحمداني وناظم حكمت.


المقاومة الحقيقية


كان للسجن أثر بالغ في حياة الشاعرة السوفيتية مارينا تسفيتاييفا، التي دفعها اعتقال المخابرات الروسية لزوجها وأختها وابنها إلى أن تعيش أوضــاعا نفسية صعبة، أدّت بها إلى الانتحار في حادثة تراجيدية لن تنسى.

الاعتقال يمثل حالة مجنونة من العيش، حالة فلسفية فكرية ووجودية تستدعي أن تكون فيها مختلفا وخصوصيا

ويوفر فضاء السجن الضيق مساحة أوسع للتأمل، لذلك فربما بعيدا عما نحن بصدده أو قريبا منه تتسلل إلى الذاكرة تلك التجارب الخاصة في العزلة والاعتزال واختيار الانفراد لتكون مواجها للذات والآخرين.

وكأنك وأنت بعيد عن الشيء تكون أقدر على الحكم، فأنت من معتزلك/ سجنك ترى الأشياء أوضح وأجلى، هكذا يختار الآخرون معتزلهم وشقاءهم وربما سعادتهم في التأمل والاستقصاء!

هكذا تصبح الكتابة عن المعتقل كتابة ذات مغزى، مندرجة ضمن فعل كتابي فلسفي فكري عام، مفتوح على أفق من معنى المقاومة والتحدّي، ومنشغل بجمع اللحظة وتفجير ما فيها من رؤية ورؤيا، ساعتئذ ستكون الكتابة هي المقصودة وبحدّ ذاتها هي الحاضرة، وكل ما عدا ذلك من أفكار، ما هي إلا وقود لفكرة الكتابة ذاتها.

لقد كانت الكتابة كوعي ثقافي هي المتحكمة في كتاب “خارج الموعد”، وتشكل الكتابة هاجسا فكريا ووجدانيا مقلقا لدى جمعة الرفاعي بدءا من السطور الأولى لهذه السردية، إذ يصرح قائلا: “في كل مرة لم أكتب ما يعتريني كنت أصاب بالخيبة والخيانة للقلم”. فالكتابة إذن فعل متكامل النشوة يبعد صاحبه عن الخيبة والخيانة، وإن كان يشعر أحيانا أنه يكتب عن حالة غير مفهومة.

ومعبرا عن تلك “البؤر الغامضة” ليحاول تفسيرها، ولكنه يعلن عجزه عن التفسير المقنع، وعليه فإنه لا توجد كتابة مقنعة تماما أو نهائية بالمطلق، إذ لا بدّ لها من أن تكون مفتوحة على احتمالين من التأويل والغاية. يعود بنا الرفاعي إلى كلماته الأولى، ويحن لأول ما كتب.

جمعة الرفاعي يحلق في كتابه خارج المكان الضيق بأجنحة الخيال وسحر الكلمات

ويستذكر تلك الجمل التي ما زالت تتردد في الذاكرة، إن ذلك يعني بالضبط ما كنت أبغي قوله إن الكاتب مشتغل بالكتابة منذ أن عانقت أنامله أول قلم، متأملا في هذا الفعل، وكأنه ليس فقط حلما رومانسيا جميلا، ولكنه أيضا مشروع ذاتي للتعبير عن النفس وانكساراتها.

ربما حاول الرفاعي أن يكون حرا متحررا من قبضة اللحظة الآسرة من الفكرة والمكان والشخوص، ليحلق بعيدا، فيستخدم هذا الفعل السحري، فالكاتب لم يكتب عن السجن وتفاصيله وحياة الأسير، كما فعل الكتّاب ممن كتبوا عن المعتقلات، وإنما آثر الرفاعي أن يكتب ما أثارته التجربة فيه من إحساس بأهمية أن يهزم تلك اللحظات، وأن يحلق بعيدا عن ذلك الفضـــاء الضيق لــيكون أرحـب.

فيكتب عن أحلامه أو أنه يكتب أحلامه ذاتها، يكتب مفارقاته الذاتية وإحساسه المرهف باللغة، إلى حد صنع المفارقات اللغوية في كثير من المواقف، فيصنع النص من عجينة متألفة من متناقضات تبرز كم كانت اللحظة بعيدة عن المنطق، كل تلك المواقف الفارقة في حياة الكاتب يبرزها ويحملها هذا النوع من الكتابة القائمة على المفارقة (الهدوء ولحظة الاعتقال، الزهور والبؤس، متألقة كقطعة من الجليد، الطائر الميت والبساتين الجميلة، أكره ما يحب المرء، الغياب على موعد).

وبذلك تشكل الكتابة نوعا آخر من المفارقة الكلية والمشهدية التي تبنى عليها حياة الأسير في معتقل يجعله يتأمل المكان، ويألفه ألفة نفسية لا قهرية.

فيحتفي ببعض التفاصيل الصغيرة. لعل التصالح مع المكان/ العدوّ الذي يغتال حريتنا قد يشكل فكرة أخرى من التسامي والتعالي على الوجع، كنوع من قهر المكان والزمان، والتحدي على الصعيد الوجودي المشخص، وليس على المستوى الفكري الفلسفي وحسب، فمن هناك حيث النفس تتحدّى بالكتابة يتخلق فعل المقاومة الحقيقية.


الكتابة جماهيرية


لقد بدت الكتابة كذلك فعلا جماعيا جماهيريا، إذ أنها ترتبط ارتباطا حتميا بالقراءة، بدءا من تعلم الكاتب صياغة البيانات السياسية، إلى الكتابة الأدبية، فليس منطقيا أن تكتب شيئا لا يقرأ، عندها تصبح الكتابة فعلا عبثيا، فالكتابة تستدعي القراءة حتما، فالعمليتان مقترنتان لا محالة، ليكون فعل “القراءة أرقى كوظيفة، والكتابة أرقى كقيمة”.

وترتفع الكتابة لتكون فعلا مقدسا، وكأن الكاتب يحاول الإجابة عن سؤال “لماذا يكتب الكاتب؟”، فتجد الجواب المكثف المفتوح على أفق مفتوح بأنه يكتب “احتراما للسماء”، وحتى يستمرّ فعل القراءة، لا بدّ من أن يستمرّ فعل الكتابة، فالكتابة إذن نوع من الاستجابة للقراءة التي تفترض مكتوبا حاصلا قبل فعل القراءة.

الكتابة نوع آخر من المفارقة الكلية والمشهدية، ونوع من الاستجابة للقراءة التي تفترض مكتوبا حاصلا قبلها

ولم تكن الكتابة فعلا جماهيريا عاما منطلقا من حاجة ثقافية وفكرية وفلسفية وسياسية فحسب، وإنما قد تشكل أحيانا فعلا ذا خصوصية وحميمية خاصة، لتجد الكاتب جمعة الرفاعي يتمنى لو أن والديه يتقنان القراءة، ليكتب لهما شيئا خاصا لا يُقرأ لهما، وإنما يقرآنه وحدهما.

يصل الكاتب إلى قناعة خاصة بقدرته على الكتابة الخاصة لقراءة خاصة وخصوصية، حققها في قوله “فأنا أمتلك من الثقة ما يؤهلني كي أجعلهم قادرين على قراءة ما لم أكتب من خلف الشباك والفاصل الزجاجي”.


الكتابة ذاتية


في ذات العلاقة ترتدّ الكتابة لتكون فعلا ذاتيا تجعل من الكاتب قارئا لذاته متأملا أفعاله وأقواله وطريقة كتابته، ليعيش هو نفسه الطرفين “القارئ” و”الكاتب” معا.

فيعلن في رسالته المكتوبة لأخيه والتي أرسلها من سجن بئر السبع عام 2006، أنه قد فقد السيطرة على كتابة الحروف بطريقة عادية، ولعلمه بهذه الطريقة في الكتابة فإنه يطلب من أخيه أن يعذره على “هذه اللغة وهذه الطريقة في الكتابة”.

وهكذا جاءت هذه السردية الاعتقالية “خارج الموعد” خاصة في أسلوبها، وكيفية التعبير عن تلك التجربة الإنسانية التي شعرنا بثقلها النفسي على الرغم من أنها لم تكتب عن التفاصيل الداخلية لمكان يعج بالألم. ولكنها كتبت عن ذلك الأثر النفسي المتخلق في نفس الأسير لتجعله متأملا، محتفلا بذلك الفعل السماوي الجميل والخلاق.

15