جمعة القتل في طرابلس

الخميس 2013/11/21

يصعب جدا أن يتصور الإنسان مشهدا أو موقفا جرى فيه القتل الجماعي بمثل هذه الوحشية، وهذا الإجرام وهذا الدم البارد. تنقل شاشات التلفاز صور الاحتراب وتبادل إطلاق النار، بل والقتل الذي يجري من قبل حكومات الطغيان والاستبداد لجموع المتظاهرين العزل، ولكنني أشهد أنني لم أره بهذه الصورة، حيث ظهر القاتل يحمل مضادا للطائرات ويضعه بشكل أفقي يضرب به صبيا لا يحمل إلا يافطة تطالب بأن تبقى عاصمة البلاد مدينة للأمن والسلام.

ونعرف أن ليبيا نفسها شهدت إجراما في التعامل مع المتظاهرين على أيدي كتائب الطاغية في مراحل مختلفة من عمر النضال ضده، وخاصة في مستهل ثورة 17 فبراير، ولكننا لم نر مشهدا يعادل في بشاعته وقسوته وإجرامه مشاهد الجمعة الحزينة في ليبيا.

زد على ذلك أن المتظاهرين السلميين هنا، لم يكونوا يتظاهرون ضد أحد، ولا يطالبون بسقوط أحد، كما هي مظاهرات الليبيين ضد الطاغية، فقد خرجوا بعد صلاة الجمعة من المساجد، طاهرين يرتدون أجمل ملابسهم، متعطرين بالروائح الطيبة، يحمل بعضهم أطفالهم في أحضانهم أو يمسكون بأيديهم، يسيرون معهم بمحاذاة طريق المطار حيث الحي السكني الفاخر المسمى «غرغور»، الذي كانت تقطنه أسرة الطاغية وبعض أركان حكمه، ولأن أغلب سكانه هربوا من البلاد، فقد وجدت بعض الفرق العسكرية التي دخلت طرابلس بعد التحرير الحي شاغرا، فاختارته مكانا لإقامة عناصرها، لأنهم قادمين من المدن الداخلية، فهو ليس ثكنة عسكرية وليس مقرا لأية جهة تتبع الجيش أو الشرطة، وإنما هو حي مدني فاخر، كل البيوت فيه إما ديار فاخرة أو أكبر من ذلك أي قصور تحيط بها الحدائق الغناء. وليس غريبا أن يقصده هؤلاء المتظاهرين السلميين الذين تحركوا يحملون الأعلام الوطنية والأعلام البيضاء، يهتفون هتافات لا تحمل كلمات العداء ولا الاستفزاز لأحد، وكل ما أرادوه هو تطبيق قرار المؤتمر الوطني العام بإخلاء طرابلس من المظاهر المسلحة.

هذا هو المطلب وهذا هو الهدف، نعم هم اتجهوا في طريق قريب من حي «غرور» ولكن قربهم لا يحمل تهديدا لأحد، ولا يشكل خطرا على أحد. وفوق هذا وذاك فقد كانت المظاهرة تحمل ترخيصا من السلطات المختصة في وزارة الداخلية، فيه تحديد للمسار الذي ستتخذه، وتحت إشراف العناصر الأمنية المعنية بحفظ النظام، فكل شيء إذن كان في سياقه القانوني المدني السلمي.

وأبعد من ذلك فهم لا يتجهون إلى جهة تخاصمهم أو يخاصمونها، بل جهة تدعي أن وجودها كان منذ البدء لحماية المواطن والدفاع عنه، وكان مبدأ انبثاقها في الميدان هو النضال من أجل دحر الطاغية ورفع ظلمه وطغيانه عن البلاد وأهلها، فهي جهة لا يحمل لها أهل المظاهرة إلا التقدير والعرفان بالجميل، باعتبار أنها تنتمي للثورة والثوار، وتريد أن تقول لهم، إنه حان الوقت لأن نقول جميعا وداعا للسلاح، فقد انتصرت الثورة، وزالت الأخطار التي تهدد نظامها، وهي في إطار التحول إلى مؤسسات دستورية ومجالس تشريعية نيابية وسلطة تنفيذية وقضائية وإدارات حكم محلي تكون هي أيضا بالانتخاب والاختيار الشعبي وصيرورة ديمقراطية تأخذ مسارها، حسبما هو جار به النظام في بقية دول العالم.

هذا هو المشهد كما بدا في ظهيرة يوم الجمعة الماضي، لا يمكن وصفه إلا بأنه مشهد ذو طابع حضاري، وجزء من حالة مدنية سلمية، وتعبير احتجاجي يتم بمفردات العصر وأساليبه، ولا يمكن أن يكون استفزازا، ولا يحمل إثارة لأي جهة أو إنسان من بعيد أو قريب.

ما لم يكن ممكنا أن يخطر على البال، حتى في أكثر مناطق العالم توحشا وإجراما، أن يتحول هذا المشهد الحضاري السلمي المدني، إلى عرس الدم الذي تحول إليه، ببشاعته وإجرامه وقسوته وآلامه وأحزانه، وعلى أيدي ساكني هذه القصور التي تحولت إلى أوكار للإجرام، ومن قبل هذه الميليشيـــات التي تدعي الانتمـاء للثورة، وهي لا تنتمي إلا إلى فئــة مصاصي الدمــاء.

برعب وإجرام يتفجر البارود في وجوه هؤلاء الأبرياء المسالمين وليته بارودا، والرصاص وليته رصاصا، وإنما أسلحة ثقيلة اخترعت لاستعمالها مضادات للطائرات الحربية، ومدافع ضد الدبابات، (فيما يسمى أربعة عشرة ونصف)، تتفجر قذائف النار وتستهدف أطفال ونساء ورجال وشيوخ هذه المسيرة السلمية، فتصنع أكبر حمام دم شهدته البلاد منذ انتهاء حرب التحرير، ومجزرة يسقط فيها الأبرياء، طهارة ونقاء ووطنية وضميرا صافيا.

كل ما أرادوه بهذا الخروج السلمي في مظاهرة يوم الجمعة الماضي، هو مدينة خالية من السلاح والمتفجرات، فإذا بهم يذهبون ضحية لها، وهذا السلاح الذي حملته عناصر تحجرت قلوبها وغاب وعيها الوطني وتأصلت في الإجرام، فصنعت حادثا أدمى قلوب الليبيين جميعا، لأن هؤلاء الليبيين كانوا موجودين بقلوبهم في هذه المسيرة التي تعبر عنهم، وتنقل في يافطاتها وهتافاتها حقيقة مشاعرهم وتتكلم بلسانهم، وتفصح عن رغبتهم العارمة في أن يروا بلادهم نظيفة من السلاح الأهوج الخارج على القانون، نظيفة من الميليشيات التي تعبث بالأمن، وتعبث بمقدرات الوطن ومستقبله ومصيره، وتعرقل مسيرته نحو التقدم، وتقف حاجزا بينه وبين اللحاق بروح العصر.

وزاد في هذه الآلام أن المجزرة ارتكبت على الهواء، منقولة نقلا حيا على شاشات التلفاز، ليراها المشاهدون في بيوتهم، ومن لم يشاهدها في التلفاز رآها بعد أن تحولت إلى مقاطع فيديو نشرت على «اليوتيوب»، وهي مشاهد تعصر القلب حزنا وألما، فهناك شيخ يعرفه الناس بمشاركاته في المناسبات الوطنية سواء ترحا أو فرحا، رأوه وقد أردته الأسلحة الثقيلة صريعا، وصبي صغير جلس مقرفصا يحمل يافطة تطالب بإخلاء طرابلس من السلاح، فشاهد الناس قذيفة النار تستهدفه وتقضي عليه، وامرأة تقف تبدي احتجاجها على استخدام القوة، فإذا بقذيفة أخرى تقسمها إلى نصفين.

شخصيا لا أعتقد أنني رأيت اغتيالا للبراءة، وغلوا وتطرفا في الإجرام، وتوحشا في استخدام السلاح، كما رأيت في هذه الجمعة المؤلمة الحزينة على أيدي من ينسبون أنفسهم كذبا وزورا إلى الثوار.


كاتب ليبي

9